تقارير- النبأ

تشهد المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران منعطفاً خطيراً، مع انتقالها من مرحلة الضربات المحدودة إلى اشتباكات مباشرة تحمل في طياتها مؤشرات على اتساع رقعة الصراع، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضاً في تداعياته الاقتصادية والأمنية التي بدأت تمتد إلى خارج منطقة الشرق الأوسط.

وفي أحدث التطورات، عقد فريق الأمن القومي التابع للرئيس الأميركي دونالد ترامب اجتماعاً طارئاً في البيت الأبيض، مساء الجمعة، لبحث تداعيات تقارير تحدثت عن استهداف طائرات عسكرية أميركية بنيران إيرانية، من بينها مقاتلة سقطت داخل الأراضي الإيرانية، في حادثة وصفت بأنها من أخطر المواجهات المباشرة بين الطرفين منذ بداية التصعيد.

وبحسب ما نقلته ABC News، فإن الاجتماع جاء في إطار تقييم عاجل للوضع الميداني، وسط مخاوف متزايدة داخل دوائر صنع القرار الأميركي من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع يصعب احتواؤها، خصوصاً في ظل استمرار العمليات الجوية الأميركية المرتبطة بالحرب الجارية مع طهران.

إدارة الأزمة من داخل البيت الأبيض

مصادر رفيعة في الإدارة الأميركية أكدت أن ترامب أمضى يومه متنقلاً بين المكتب البيضاوي وغرفة الطعام الملحقة به، متلقياً إحاطات متواصلة من كبار القادة العسكريين ومسؤولي الاستخبارات، في مؤشر على حجم القلق الذي يحيط بالموقف. كما قرر البقاء في العاصمة واشنطن خلال عطلة عيد الفصح، في خطوة تعكس حساسية المرحلة واحتمال صدور قرارات عسكرية أو سياسية مفصلية في أي لحظة.

هذا التحرك السريع يأتي في وقت تحاول فيه واشنطن الحفاظ على توازن دقيق بين الرد العسكري ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة، وهو تحدٍ يتعاظم مع تزايد الخسائر الميدانية وتعرض الأصول العسكرية الأميركية للاستهداف المباشر.

تصعيد ميداني متعدد الجبهات

ميدانياً، تشير المعطيات إلى تصعيد نوعي في طبيعة الاشتباك، حيث أعلنت مصادر متطابقة عن إسقاط إيران عدة طائرات أميركية في حوادث متفرقة. فقد سقطت مقاتلة من طراز F-15E Strike Eagle داخل الأراضي الإيرانية بعد إصابتها بنيران الدفاعات الجوية، فيما تمكنت فرق الإنقاذ من استعادة أحد أفراد طاقمها، بينما لا يزال مصير الآخر مجهولاً.

وفي حادثة ثانية، تحطمت طائرة هجومية من نوع A-10 Thunderbolt II قرب مضيق هرمز، مع إنقاذ الطيار، في حين تعرضت مروحية من طراز “بلاك هوك” لأضرار خلال مشاركتها في عمليات البحث والإنقاذ، لكنها تمكنت من مغادرة الأجواء الإيرانية.

وتعكس هذه الحوادث تحولاً لافتاً في قواعد الاشتباك، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على ضربات غير مباشرة أو عبر وكلاء، بل باتت تشمل استهدافاً مباشراً للأصول العسكرية في مناطق حساسة، ما يرفع من احتمالات التصعيد غير المحسوب.

حرب تحت الأرض.. تكتيكات إيرانية معقدة

على الجانب الآخر، تكشف تقارير استخباراتية نشرتها نيويورك تايمز عن قدرة إيران على امتصاص الضربات العسكرية وإعادة تشغيل بنيتها الصاروخية بسرعة لافتة.

وبحسب هذه التقارير، تعتمد طهران على شبكة واسعة من الأنفاق والمنشآت تحت الأرض، حيث يتم إخفاء منصات إطلاق الصواريخ وإعادة تأهيلها خلال ساعات فقط من تعرضها للقصف، ما يقلل من فاعلية الضربات الجوية واسعة النطاق التي تنفذها وزارة الدفاع الأمريكية.

ورغم إعلان واشنطن استهداف نحو 11 ألف موقع داخل إيران خلال خمسة أسابيع، إلا أن التقييمات الاستخباراتية تشير إلى أن جزءاً كبيراً من القدرات الصاروخية الإيرانية لا يزال سليماً، مع استمرار طهران في إطلاق ما بين 15 إلى 30 صاروخاً باليستياً يومياً، إلى جانب عشرات الطائرات المسيّرة.

ويؤكد مسؤولون أميركيون أن إيران لجأت إلى تغيير تكتيكاتها، عبر إطلاق الصواريخ بشكل متفرق بدلاً من دفعات كبيرة، لتقليل فرص رصد منصات الإطلاق، في وقت تستخدم فيه منصات وهمية لرباك أنظمة الاستهداف الأميركية.

تراجع الهجمات أم إعادة تموضع؟

في المقابل، تشير تصريحات صادرة عن البيت الأبيض إلى تراجع ملحوظ في وتيرة الهجمات الإيرانية، حيث أكدت المتحدثة آنا كيلي انخفاض الهجمات بنسبة تصل إلى 90%، إلى جانب تدمير جزء كبير من القدرات البحرية الإيرانية وإلحاق أضرار واسعة بالبنية العسكرية.

غير أن هذا التراجع لا يُنظر إليه بالضرورة كدليل على ضعف، بل قد يعكس إعادة تموضع تكتيكي من قبل طهران، يهدف إلى الحفاظ على قدراتها الاستراتيجية على المدى الطويل، مع الاستمرار في توجيه ضربات محدودة لكنها مؤثرة.

تداعيات عالمية.. أزمة طاقة تضرب أستراليا

لم تقتصر تداعيات الصراع على الميدان العسكري، بل امتدت لتطال أسواق الطاقة العالمية، حيث أعلنت أستراليا عن أزمة وقود متصاعدة نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد.

ووفقاً لما أوردته ABC News، فقد سجلت مئات محطات الوقود في البلاد نقصاً حاداً، مع نفاد الديزل في أكثر من 400 محطة، والبنزين في عشرات أخرى، ما أدى إلى اضطرابات في حركة النقل والسفر.

ودعت الحكومة الأسترالية المواطنين إلى عدم التهافت على شراء الوقود، محذرة من أن التخزين الفردي قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة، في وقت أكد فيه وزير الطاقة كريس بوين أن المخزون الحالي يكفي لأسابيع محدودة فقط.

وتعتمد أستراليا على استيراد نحو 90% من احتياجاتها من الوقود، ما يجعلها عرضة بشكل كبير لتقلبات السوق العالمية، خصوصاً في ظل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، الذي يعد شرياناً رئيسياً لإمدادات الطاقة العالمية.

ارتدادات اقتصادية وتحذيرات سياسية

الأزمة لم تتوقف عند حدود الطاقة، إذ بدأت آثارها تنعكس على حركة السفر والاقتصاد، مع إلغاء العديد من الرحلات وخطط العطلات، في وقت حذر فيه رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي من أن التداعيات الاقتصادية للحرب قد تستمر لأشهر.

ودعا ألبانيزي المواطنين إلى استخدام وسائل النقل العام لتخفيف الضغط على الإمدادات، في خطوة تعكس حجم القلق الحكومي من تفاقم الأزمة وتحولها إلى أزمة اقتصادية أوسع.

البعد الداخلي الأميركي.. مكافحة الاحتيال في ظل الحرب

وفي خضم هذه التطورات، أعلن ترامب تكليف نائبه جيه دي فانس بقيادة جهود وطنية موسعة لمكافحة الاحتيال، في خطوة تعكس محاولة الإدارة الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية بالتوازي مع التصعيد الخارجي.

وتأتي هذه الخطوة ضمن سياق أوسع من الإجراءات القانونية والسياسية التي تتبناها الإدارة، وسط جدل متصاعد حول صلاحيات السلطة التنفيذية، خاصة في إدارة البرامج الاجتماعية ومراقبة الإنفاق الفيدرالي.

نحو أي سيناريو؟

مجمل هذه التطورات ترسم صورة معقدة لصراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والتوازنات السياسية، وبينما تحاول واشنطن فرض تفوقها العسكري، تواصل طهران الاعتماد على استراتيجيات غير تقليدية لإطالة أمد المواجهة واستنزاف خصمها.

ومع اتساع نطاق التأثير ليشمل أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، تبدو المنطقة والعالم أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين، حيث قد يتحول أي خطأ في الحسابات إلى شرارة لصراع أوسع، تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط إلى النظام الدولي بأسره.

م.ال

اضف تعليق