مع اتساع رقعة المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، تتزايد المخاوف داخل العراق من تحوّله إلى ساحة صراع مفتوحة، خصوصاً في ظل تهديدات فصائل مسلحة بالرد وتكرار الهجمات الجوية التي طالت مواقع في عدة محافظات. ويأتي ذلك وسط تحذيرات شعبية ورسمية من تداعيات انخراط البلاد في حرب إقليمية قد تتجاوز حدودها سريعاً، وتضع العراق في قلب عاصفة عسكرية وسياسية متصاعدة.
بوادر التصعيد
وكانت كتائب حزب الله العراقي قد أعلنت مسبقا عن استعدادها للمشاركة في أي حرب تشنها واشنطن وتل أبيب على طهران، لتأتي الساعات الأولى للحرب وتشهد استهداف مقاتلات حربية لقاعدة عسكرية للكتائب بمنطقة جرف الصخر (شمالي محافظة بابل) جنوبي بغداد.
وأسفر هذا الاستهداف عن مقتل شخصين وإصابة آخرين وفقا لخلية الإعلام الأمني التي عادت وأكدت مساء السبت بتعرض المنطقة ذاتها لضربات جوية أخرى.
وتقع قاعدة جرف الصخر -المعروفة أيضا باسم جرف النصر- في جنوب العراق، وتتبع لهيئة الحشد الشعبي، وهو تحالف قوات شبه عسكرية باتت تشكّل جزءا من القوات الحكومية. لكن القاعدة تُعَد معقلا رئيسيا لكتائب حزب الله، أبرز الفصائل المقاتلة العراقية الموالية لإيران.
وعلى إثر ذلك، نقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن قيادة عمليات كتائب حزب الله أنها ستبدأ قريبا بمهاجمة القواعد الأمريكية ردا على الاعتداءات، في حين نشر فصيل كتائب سيد الشهداء بيانا أبلغ فيه مقاتليه بالاستعداد لحرب طويلة.
كما نشر المعاون العسكري لحركة النجباء عبد القادر الكربلائي على حسابه في موقع إكس منشورا يؤكد فيه نية مقاتليه دخول الحرب مع إيران وأنهم على أتم الاستعداد والجهوزية.
من جهته، حذر الباحث الأمني سرمد البياتي من جر البلاد إلى ما أسماه بـ"ويلات الحرب"، متوقعا في حديث صحفي إلى أن البلاد ستدخل فيما أسماه "عين الإعصار" الذي يعصف بالمنطقة وفق تعبيره.
وصباح أمس الأحد، فرّقت القوات الأمنية مئات المتظاهرين قرب الجسر المعلق ببغداد بعد محاولتهم اقتحام المنطقة الخضراء والوصول إلى السفارة الأمريكية احتجاجا على مقتل المرشد الإيراني علي خامئني.
رسالة مبكرة
في السياق، حذر الباحث الأمني حسن العبيدي من أن تدخل الفصائل المسلحة في سياق الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل قد يعرّض العراق لضربات جوية مؤلمة أو قد تؤدي لعمليات عسكرية ستضر بالعراقيين جميعا دون استثناء.
وفي حديثه للجزيرة نت، أشار العبيدي إلى أن استهداف كتائب حزب الله بمنطقة جرف الصخر قد يُعد رسالة مبكرة للفصائل المسلحة بضرورة تجنب التدخل في الحرب، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن حدود التدخل في هذه الحرب قد يكون محدودا للغاية في الوقت الحالي.
وتابع العبيدي أن الولايات المتحدة سبق أن انسحبت من جميع قواعدها في العراق باستثناء قاعدة واحدة في إقليم كردستان، إضافة إلى انسحابها من 90% من قواعدها في سوريا، فضلا عن انسحابها من قاعدة التنف على المثلث الحدودي العراقي السوري الأردني، بما يعني أن المصالح الأمريكية التي قد تشكل هدفا للفصائل محدودة، وفق قوله.
تصعيد أمني
وشهد العراق في اليومين الماضيين العديد من الأحداث الأمنية، إذ استهدفت صواريخ ومسيرات إيرانية مطار أربيل الدولي والقاعدة العسكرية المجاورة له، في حين أكدت وسائل إعلام محلية تعرض قاعدة أمريكية -سبق أن انسحبت منها القوات الأمريكية- لاستهداف بالمسيرات كذلك.
كما أفادت خلية الإعلام الأمني بتعرض قيادة عمليات البصرة لاستهداف بطائرات مسيرة، في الوقت الذي أكدت فيه إسقاطها لـ5 منها، إضافة إلى إسقاط طائرات مسيرة أخرى كانت ترمي إلى استهداف قاعدة الإمام علي الجوية بمحافظة ذي قار (جنوب العراق).
وكان ناشطون من محافظة البصرة قد نشروا مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر تعرّض مقر قيادة عمليات البصرة، مساء السبت، لاستهداف بطائرة مسيرة استهدفت موقع رادار عراقي وبطارية للدفاع الجوي.
من جهته، وبعد ساعات على استهداف مقر قيادة العمليات، أكد محافظة البصرة أسعد العيداني أن الطائرات التي استهدفت قيادة العمليات كانت داخلية بمعنى أنها ليست أمريكية أو إيرانية، في إشارة إلى أن الاستهداف كان من قبل فصائل مسلحة عراقية.
ولم يقف التصعيد العسكري عند ذلك، إذ شهدت ساعات صباح أمس الأحد استهداف مقاتلات حربية معسكر اللواء 41 في الحشد الشعبي بمحافظة ديالى شرقي البلاد، مما أسفر عن مقتل 4 من المقاتلين، وذلك وفق ما أفادت به وكالة الأنباء العراقية.
مرلة حساسة
سياسيا، يشير الباحث السياسي رياض العلي إلى أن العراق وبعد بدء هذه الحرب بات في وضع شائك جدا، مشيرا إلى أن أي "تهور أو تدخل أو عمل غير محسوب النتائج" قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الأمني الداخلي في البلاد، لا سيما أن البلاد تعيش مرحلة حساسة ما بين ضغوط أمريكية متصاعدة وبين استحقاقات سياسية تأخرت كثيرا في تشكيل الحكومة.
وحذر العلي من أن إقدام بعض الفصائل المسلحة على التحرك بعيدا عن رؤية الحكومة العراقية قد يؤدي بالمحصلة إلى تعرض البلاد لما لا يُحمد عقباه خارجيا وداخليا، حيث قد تتعرض البلاد لضربات جوية أو عقوبات اقتصادية.
وفي حديثه للجزيرة نت، أشار العلي إلى أن المخاطر الداخلية قد تتصاعد في حال إقدام أي جهة على "توريط" العراق بحرب قد تكلف البلاد استقرارها الداخلي، لا سيما أن الحكومة حذرت من مغبة التحرك، فضلا عن أن تعرض مقر عمليات البصرة وقاعدة الإمام علي الجوية لهجمات بطائرات مسيرة كشف عن أن هذه الاستهدافات داخلية وباعتراف المسؤولين الحكوميين، إضافة إلى ما تسببت به من تدمير مقر للرادارات العراقية وبطاريات الدفاع الجوي، وفق قوله.
وكالات
س ع



اضف تعليق