النبأ: شهدت السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في كيفية تمثيل العراق على المسرح العالمي. فبعد عقود من الهيمنة الإعلامية الغربية التي حصرت العراق في إطارات "الدولة الهشة" أو "ساحة الصراع"، برز جيل جديد من الشباب العراقي المسلح بالأدوات الرقمية ليخوض معركة استعادة السردية الوطنية.

هذا التحول هو إعادة هيكلة عميقة للهوية الوطنية العراقية وتحويلها من هوية "ضحية" أو "محارب" إلى هوية "صانع ثقافة" و"مضيف عالمي."

تستند هذه النهضة الرقمية إلى قاعدة ديموغرافية قوية، حيث يبلغ متوسط العمر في العراق 21 عاماً فقط، وهو جيل ولد وترعرع في خضم التحولات التكنولوجية الكبرى. هؤلاء الشباب، الذين يشكلون الأغلبية العظمى من الـ 40 مليون عراقي، لم يعودوا ينتظرون مراسلي الوكالات الدولية لنقل أخبار مدنهم، بل أصبحوا هم "المراسلين السياديين" الذين يسوقون لصورة العراق الجمالية، من أهوار الجنوب إلى جبال كردستان، ومن شوارع بغداد التاريخية إلى أحياء الموصل المعاد إعمارها.

الجذور السياسية والاجتماعية

لا يمكن فهم حماس الشباب العراقي لتغيير صورة بلدهم بمعزل عن الحركات الاجتماعية التي هزت البلاد في السنوات الأخيرة. تشير الأبحاث إلى أن حراك تشرين (أكتوبر 2019) كان المختبر الأكبر لتشكل الوعي السياسي والتقني لدى الشباب. وعلى الرغم من أن المطالب كانت سياسية في جوهرها، إلا أن الإرث الذي تركه هذا الحراك يتمثل في "السياسة اليومية" (Everyday Politics)، حيث بدأ الشباب في توجيه طاقاتهم نحو المشاركة المدنية، وريادة الأعمال، والنشاط الثقافي كوسيلة للتغيير بعيداً عن الصدام السياسي المباشر.

أدرك الشباب العراقي أن تغيير "الصورة النمطية" للعالم عن العراق هو خطوة استراتيجية تسبق أي محاولة للتنمية الاقتصادية. فبدون تغيير النظرة العالمية للعراق كمنطقة خطر، لن يتدفق الاستثمار ولن يزدهر السياح. لذا، أصبحت صناعة المحتوى "فعل مقاومة" ضد التهميش العالمي، حيث يتم استخدام الجمال والضيافة كأدوات للقوة الناعمة لتقويض السرديات السلبية الموروثة.

توزيع الأدوار للمنصات الرقمية

تستخدم المجموعات الشبابية المختلفة في العراق منصات التواصل الاجتماعي بطريقة تكاملية تهدف إلى تغطية كافة جوانب الحياة. فمثلاً، تُوظف منصة تيك توك (TikTok) لنشر المقاطع القصيرة والسريعة التي تبرز العادات والتقاليد والمناطق السياحية "المخفية"، مستفيدة من قدرتها العالية على الوصول للفئات الشابة عالمياً وسرعة انتشار المحتوى. بينما يركز إنستغرام (Instagram) على التوثيق البصري الاحترافي لجماليات العمارة والموضة المحلية والمناظر الطبيعية، بالاعتماد على المؤثرين الذين يقدمون محتوى يتميز بجمالية فائقة تجذب المتابعين.

أما منصة فيسبوك (Facebook)، فتؤدي دوراً محورياً في بناء المجتمعات السياحية وتقديم الدعم اللوجستي للمسافرين وتنسيق الرحلات عبر مجموعات تفاعلية متخصصة، مثل "مقهى المسافرين العراقيين"، التي توفر تفاعلاً مباشراً. وفيما يخص المحتوى الغامر والطويل، تبرز منصة يوتيوب (YouTube) التي تقدم تجارب سفر تفصيلية، غالباً بالتعاون مع فلوغرز عالميين، مما يساهم في بناء ثقة المشاهد الأجنبي من خلال توثيق واقع الأمان والحياة اليومية بشكل ملموس.

كسر فجوة الثقة

في صيف عام 2021، بدأ مشهد جديد يظهر في شوارع بغداد والموصل والبصرة: صناع محتوى غربيون يتجولون بكاميراتهم، يشربون الشاي مع المحليين، ويدخنون الأرجيلة في المقاهي الشعبية. هذه الظاهرة، التي قادها شباب عراقيون مثل مؤسسي "مقهى المسافرين العراقيين" (Iraqi Travellers Cafe)، مثلت نقطة تحول كبرى. لقد نجح هؤلاء الشباب في تقديم "تجاوز لفجوة الثقة"؛ فبينما تظل التحذيرات الرسمية للسفارات الغربية حذرة، تأتي فيديوهات اليوتيوبرز مثل "جاي بالفريه" و"ماك كاندي" لتقدم دليلاً مرئياً على الأمان وكرم الضيافة.

تشير البيانات إلى أن هذه الفيديوهات لا تستهدف الجمهور الغربي فحسب، بل إن 60% إلى 70% من مشاهدي هؤلاء "الفلوغرز" هم من العراقيين أنفسهم. هذا يعكس رغبة عميقة لدى العراقيين في رؤية بلدهم من منظور عالمي إيجابي، ويحفز الشباب المحليين على إنتاج المزيد من المحتوى الذي يتوافق مع هذا الإعجاب العالمي. هؤلاء الرحالة المستقلون يقدمون "القصة الحقيقية" التي يفتقدها الإعلام التقليدي، مما يساهم في إلهام سياح آخرين للقدوم إلى العراق.

القوة الناعمة الكردية

في إقليم كردستان العراق، اتخذت صناعة المحتوى منحى يمزج بين الحداثة والهوية التراثية. مجموعة "مستر أربيل " (Mr. Erbil)، التي بدأت كنادي للموضة، تحولت إلى حركة اجتماعية تستخدم الملابس الأنيقة والستايل العالمي لتسويق صورة الإقليم والمنطقة. هؤلاء الشباب لا يكتفون بعرض الأزياء، بل يرسلون رسائل سياسية واجتماعية تتعلق بحقوق المرأة، وحماية البيئة، ودعم المنتجات المحلية.

بالتوازي مع ذلك، برزت مبادرات تهدف إلى إلهام الناس في الداخل والخارج عبر قصص نجاح وتحدي لشباب وشابات يكسرون القوالب النمطية للمجتمع. هذه الجهود الفردية والمجتمعية تأتي في ظل غياب الدعم الحكومي الكافي، لكنها تنجح في خلق تواصل ثقافي مع اليابان وبريطانيا وأمريكا، حيث أصبح الشباب الكردي مطلعاً على الثقافة العالمية ومطالباً بقيم الديمقراطية والحرية عبر أدواته الرقمية.

جوائز التصوير الفوتوغرافي

لم تقتصر صناعة المحتوى على "الفلوغات" الترفيهية، بل امتدت إلى التوثيق الرصين عبر التصوير الفوتوغرافي الذي يجمع بين الفن والقضايا الإنسانية. تلعب المسابقات السنوية مثل جائزة التصوير التي تنظمها اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) والهلال الأحمر العراقي دوراً محورياً في تشجيع المصورين العراقيين على تسليط الضوء على قضايا مثل "الزراعة"، "المياه"، و"الأمل".

هذه الصور، تهدف إلى إظهار صمود المجتمع العراقي وتقاليده المتجذرة في الأرض. فعندما يفوز مصور عراقي مثل "كرار فرمان" بستة جوائز دولية لصور التقطها في كربلاء، فإنه ينقل الروح الروحانية والجمالية للمدينة إلى جمهور عالمي في الإمارات والسعودية ومنظمات دولية مثل FIAP. هذا النوع من المحتوى يساهم في بناء "رأس مال ثقافي" للعراق، حيث تتحول المواقع الدينية والتاريخية إلى رموز للجمال الفني بدلاً من أن تكون مجرد عناوين في أخبار الصراعات.

الأرقام تتحدث

أدت هذه الجهود الرقمية الشبابية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع الاقتصادي، فالعراق لم يعد يعتمد فقط على السياحة الدينية التقليدية، بل بدأ يجذب فئات جديدة من السياح المهتمين بالتراث والآثار والطبيعة. وتتجسد هذه الطفرة في نمو إيرادات السياحة بنسبة 25%، حيث ارتفعت من 4.6 مليار دولار في عام 2023 لتصل إلى 5.7 مليار دولار في عام 2024.

 كما شهد عام 2024 تسجيل حوالي 892,000 زائر دولي، وهو ما يعكس نمواً ملحوظاً وضع العراق في المركز السابع بين الدول العربية من حيث الدخل السياحي. هذا النجاح عزز من مكانة العراق السياحية، خاصة بعد اختيار بغداد "عاصمة السياحة العربية لعام 2025"، وهو اعتراف رسمي بالتحسن الأمني والجهود المبذولة في ترميم المواقع الأثرية مثل بوابة عشتار ومعبد نينماخ في بابل بتمويل دولي. وتسعى الحكومة العراقية الآن، مدفوعة بهذا الزخم، إلى استقطاب 10 ملايين زائر سنوياً خلال العقد القادم لتنويع مصادر الدخل القومي.

محرك استقرار واقتصاد

على الرغم من بزوغ السياحة الترفيهية، تظل السياحة الدينية في كربلاء والنجف هي الركيزة الأساسية. فقد قفز عدد الزوار في زيارة الأربعين من 11.2 مليون إلى 22 مليون زائر، بنسبة نمو بلغت 96%. المحتوى الرقمي الذي ينتجه الشباب حول هذه التجمعات البشرية الهائلة، والتي تُعد الأكبر في العالم، يساهم في إظهار الجانب التنظيمي والإنساني للعراق، مما يعزز صورة الدولة القادرة على إدارة الحشود وتأمينها.

وعلى الرغم من النجاحات، يواجه صناع المحتوى الشباب في العراق تحديات قانونية ورقابية معقدة. فالإطار القانوني الذي يحمي حرية التعبير لا يزال غير واضح، مما يفتح الباب أمام السلطات لاستخدام قوانين الفضاء الرقمي لتقييد المحتوى تحت ذرائع "الآداب العامة" أو "الأمن القومي".

وتثير النقاشات حول حظر منصة "تيك توك" قلقاً واسعاً بين الشباب، حيث يُنظر إليها كوسيلة للتعبير والترفيه في بلد تتقلص فيه المساحات الحرة. كما أن حملات الاعتقال والملاحقة لبعض صناع المحتوى بتهمة "المحتوى الهابط" أدت إلى حالة من الحذر الرقمي، مما دفع الكثيرين لاستخدام شبكات VPN لتجاوز المراقبة. تشير التقارير إلى أن السلطات تخشى من تكرار احتجاجات تشرين، ولذلك تسعى لمراقبة الفضاء الرقمي الذي كان المحرك الأساسي لتلك التظاهرات.

وعلاوة على ذلك، تعاني البنية التحتية السياحية من نقص في الفنادق والخدمات العامة، وصعوبات في التنقل بين المدن، مما يجعل التجربة السياحية تعتمد بشكل كبير على المبادرات الفردية للشباب بدلاً من الأنظمة المؤسسية المستدامة.

التماسك الاجتماعي والنشاط المدني

في مناطق مثل قرية "سعدة"، يظهر المحتوى الهادف من خلال إعادة إحياء "منتديات الشباب" التي لم تعد تقتصر على الرياضة فقط، بل أصبحت مراكز للحوار المجتمعي والمبادرات التطوعية. ينظم الشباب حملات لتنظيف المدارس، وطلاء الصفوف، وتوعية الأقران ضد مخاطر التطرف والمخدرات.

هذا النوع من النشاط المدني، المدعوم أحياناً من منظمات دولية مثل المنظمة الدولية للهجرة (IOM) والخارجية الألمانية، يساهم في إعادة بناء الثقة داخل المجتمعات التي عانت من احتلال تنظيم داعش. إن توثيق هذه الأنشطة ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي يرسل رسالة قوية للعالم بأن الشباب العراقي هم "وكلاء التغيير" الذين يبنون السلام من القاعدة إلى القمة.

من خلال تحليل البيانات والواقع الميداني، يمكن صياغة مجموعة من التوصيات لتعزيز دور صناع المحتوى في تسويق صورة العراق:

- يجب على وزارة الثقافة والسياحة والآثار بناء شراكات مع المؤثرين الشباب بدلاً من ملاحقتهم، وتوفير تسهيلات لوجستية لهم لتصوير المعالم الأثرية.

-ضرورة صياغة قوانين تحمي حرية التعبير الرقمي وتفرق بوضوح بين النقد البناء أو الفن وبين الانتهاكات القانونية الحقيقية، لضمان استمرار الإبداع الشبابي.

-تحسين جودة الإنترنت وتسهيل إجراءات التأشيرات الإلكترونية (E-Visa) التي كانت سبباً رئيسياً في تدفق الفلوغرز الغربيين مؤخراً.

-التوسع في برامج اليونسكو لتدريب الشباب على إنتاج محتوى حساس للنزاعات ويعزز السلام، لضمان أن تكون القوة الناعمة العراقية قوة بناء لا هدم.

العراق بعيون أبنائه

إن صناعة المحتوى الهادف في العراق ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي حراك ثقافي يقوده جيل رفض أن يكون أسيراً للصورة النمطية المشوهة. من خلال عدسات هواتفهم الذكية، استطاع الشباب العراقي تحويل "بلد الحروب" إلى "بلد الجمال والفرص" في نظر الملايين حول العالم. ومع استمرار نمو قطاع السياحة وتزايد الاعتراف الدولي بالثقافة العراقية، يثبت هؤلاء الشباب أن القوة الناعمة الرقمية هي السلاح الأكثر فعالية في معركة استعادة الهوية الوطنية وبناء مستقبل مزدهر لبلاد الرافدين.

اضف تعليق