علي الطالقاني
في أعقاب واحدة من أكثر الدورات الانتخابية إثارة للجدل في تاريخ العراق الحديث، تلك التي جرت في الحادي عشر من تشرين الثاني 2025، وجد النظام السياسي نفسه أمام مفترق طرق لم يعهده من قبل.
فبينما يستذكر المواطن العراقي بالاصلاحات الحقيقية، تشهد الغرف المغلقة ببغداد ولادة سيناريو سياسي جديد يتمحور حول شخصية غارقة في عمق التوازنات الحزبية.
باسم البدري، رئيس الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة، والرجل الذي قفز اسمه إلى صدارة المشهد كمرشح تسوية لإدارة الحكومة العراقية، يعتبر صعوده انعكاس لاستراتيجية الهروب إلى الأمام التي تتبناها القوى التقليدية المنضوية تحت لواء الإطار التنسيقي الذي اصطدم بدوره بالرفض الدولي والتحفظ الديني في النجف، برز اسم البدري كخيار تسوية ومع تجاوز عقدة رئاسة الجمهورية بانتخاب نزار آميدي، بدأت الساعة الدستورية تدق إيذانا ببدء أخطر 15 يوما في عمر العملية السياسية، ومهمة تشكيل حكومة قادرة على موازنة كفتي الميزان بين واشنطن الترامبية المتربصة وطهران التي تريد الحفاظ على تحالفاتها وقوتها بالمنطقة.
ولفهم شخصية باسم البدري، يجب العودة إلى جذوره في محافظة واسط، حيث ولد في عام 1964 هذه الخلفية الاجتماعية في جنوب العراق حيث تشكلت هويته السياسية المبكرة، وانخرطه في صفوف حزب الدعوة الإسلامية، وتحديداً تنظيم العراق. ومع ذلك، حافظ البدري لسنوات طويلة على واجهة أكاديمية جعلته يبدو بعيداً عن صخب المواجهات السياسية المباشرة.
تفوق في البكالوريوس عام 1986 من كلية الزراعة بجامعة بغداد وحلوله الأول على دفعته، حصل على الماجستير في الاقتصاد الزراعي عام 1999، ثم الدكتوراه بتقدير امتياز عام 2013 من الجامعة ذاتها.
ومن الناحية المهنية، ارتقى إلى رتبة أستاذ مساعد في عام 2014، بينما تولى رئاسة الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة منذ عام 2013 ولا يزال في منصبه حتى الآن في عام 2026، مع تركيز اهتمامات بحثية في مجالات الاقتصاد الكلي والتجارة الدولية .
إدارة ملف البعث
منذ تسلمه رئاسة الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة في عام 2013، خلفاً لفلاح شنشل، أصبح باسم البدري القيم على واحد من أكثر الملفات تفجراً في العراق. فان الهيئة التي تأسست بموجب المادة 135 من الدستور، تهدف إلى تصفية إرث نظام حزب البعث المنحل ومنع عودته إلى مفاصل الدولة.
خلال الانتخابات البرلمانية لعام 2021، قامت الهيئة بتدقيق أكثر من 27,500 مرشح، وهو رقم يعكس حجم النفوذ الذي يمتلكه رئيس الهيئة في تحديد من يحق له دخول السلطة.
أما انتخابات تشرين الثاني 2025 أفرزت مشهداً سياسياً معقداً، حيث ارتفعت نسبة المشاركة إلى 56.11%، مما أعطى شرعية جديدة للبرلمان فرئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني وجد نفسه محاصراً بفضيحة التنصت التي هزت ثقة حلفائه، وزادت المخاوف من رغبته في التأسيس لولاية ثانية تضعف نفوذ الفصائل والقوى التقليدية .
في المقابل، كان نوري المالكي، يسعى للعودة إلى السلطة، لكنه اصطدم بفيتو أمريكي علني فقد هدد ترامب في 27 كانون الثاني 2026 بقطع كافة أشكال الدعم عن بغداد في حال عودة المالكي لرئاسة الحكومة.
وهذا الضغط الدولي دفع المالكي إلى القيام بمناورة الملك والوزير، حيث قرر الانسحاب من السباق وترشيح باسم البدري كبديل يمتلك الولاء لدولة القانون.
وضمت خارطة المتنافسين قائمة قصيرة تصدرها البدري بدعم من نوري المالكي وقيس الخزعلي، ونافسه فيها محمد شياع السوداني "رئيس الوزراء لتصريف الأعمال" المدعوم من تيار الفراتين وقوى وطنية، وعلي الشكري مستشار رئاسة الجمهورية كمرشح تسوية وسط، وحميد الشطري رئيس جهاز المخابرات السابق كخيار تكنوقراط أمني، ومحسن المندلاوي رئيس البرلمان بالإنابة سابقاً بدعم من تحالف الأساس .
في 16 نيسان 2026، اعتمد الإطار التنسيقي آلية الثلثين ضمن قوى الاطار لاختيار مرشحه، لضمان عدم حدوث انشقاق داخلي، وتشير التقارير الميدانية إلى أن البدري نجح في تأمين غالبية قوى الاطار، مما جعله المرشح الأوفر حظاً.
ترشيح البدري اليوم هو اختبار حقيقي لقدرة العراق على الحفاظ على علاقاته الدولية، فالرجل، رغم خلفيته الأكاديمية، ينظر إليه في واشنطن كجزء من المنظومة القريبة من إيران، والتقارير الصادرة عن معاهد أبحاث أمريكية تحذر من أن اختيار البدري سيعتبر إصبعاً في عين إدارة ترامب، نظراً للدعم القوي الذي يتلقاه من قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، وهادي العامري، رئيس منظمة بدر .
واشنطن من جهتها تتبنى سياسة الحد الأقصى من الضغط واختيار الشخصيات وإعادة النظر في مصالحها مع العراق، على الجانب الآخر، تجد إيران في البدري مرشحاً مريحاً، فهو ينتمي إلى المدرسة الفكرية لحزب الدعوة، ويمتلك خبرة في إدارة مؤسسات الدولة العميقة.
على مستوى المرجعية الدينية وحتى نيسان 2026، لم يصدر عن مكتب السيد علي السيستاني أي بيان رسمي يدعم أو يرفض ترشيح البدري، تماشياً مع سياسة المسافة الواحدة، فالتاريخ لا ينسى أن المرجعية أغلقت أبوابها بوجه الوجوه التي تسببت في الانسدادات السابقة.
أما على المستوى الشعبي، فإن جيل تشرين والشباب العراقي الذين قاطعوا الانتخابات أو شاركوا فيها بحثاً عن التغيير، ينظرون الى الوضع العام بريبة.
هل يسقط البدري في فخ الكتل الداعمة؟
إن أكبر تحد يواجه البدري هو التحالف مع الكتل التي رشحته فان هذه الكتل تتوقع نصيباً في الكابينة الوزارية وفي المناصب الخاصة وإذا خضع البدري لهذه الضغوط فسيتحول إلى نسخة مكررة من رؤساء الوزراء السابقين الذين عجزوا عن مواجهة الدولة العميقة للفصائل والأحزاب.
علاوة على ذلك، يواجه البدري تحديا تقنيا يتمثل في المهلة الدستورية فبموجب المادة 76 من الدستور، أمام رئيس الجمهورية 15 يوماً لتكليف مرشح الكتلة الأكبر، وأمام المكلف 30 يوماً لتشكيل حكومته.
وفي ظل الخلافات العميقة داخل الإطار التنسيقي، ومعارضة السوداني الشديدة للانسحاب، قد يجد البدري نفسه في صراع قانوني ودستوري حول "من هي الكتلة الأكبر" وكيف يتم التكليف .
واليوم يقف العراق على أعتاب مرحلة انتقالية كبرى وترشيح باسم البدري هو محاولة من النظام السياسي لتقديم وجه هادئ لمرحلة عاصفة فإما أن ينجح في استثمار مهاراته وكمستفيداً من غطاء سياسي قوي وفره له الإطار التنسيقي، وإما أن يكون ضحية جديدة في صراع الإرادات الدولية والمحلية.
ويبقى معيار النجاح في قدرة البدري على إقناع المواطن العراقي بأن حكومته سلطة تنفيذية حقيقية تضع مصلحة العراق فوق مصلحة المحاور وبدون هذا الإقناع وفهم السيناروهات الدولية وايجابياتها وسلبياتها سيظل اسم باسم البدري محطة عابرة في قطار الأزمات العراقية المتلاحقة .
*علي الطالقاني، رئيس ملتقى النبأ للحوار



اضف تعليق