قال الكاتب والباحث العراقي علي الطالقاني، رئيس ملتقى النبأ للحوار، إن التحولات العميقة التي شهدتها سوريا منذ أواخر عام 2024 أعادت تشكيل المشهد الأمني والسياسي في المشرق العربي، ولم تقتصر آثارها على الداخل السوري، بل امتدت لتصبح عاملاً حاسماً في تحديد مسارات الاستقرار داخل العراق.

وأوضح الطالقاني، في ورقة تقدير موقف بعنوان «تحولات المشهد السوري وانعكاساته العابرة للحدود على الاستقرار العراقي»، أن الترابط البنيوي بين الساحتين السورية والعراقية جعل من الصعب، بحلول عام 2026، التعامل مع البلدين كمسارين منفصلين في التحليل الاستراتيجي، مشيراً إلى أن أي تحول في إحدى الساحتين ينعكس مباشرة على الأخرى.

وبيّن أن التطورات المتسارعة في سوريا أفرزت واقعاً جديداً اتسم بتراجع قدرة الدولة المركزية على فرض سيطرة متماسكة، خصوصاً في مناطق البادية وشرق الفرات، وهو ما أدى إلى نشوء فراغات أمنية استثمرتها الجماعات المتطرفة عبر التحول إلى نمط العمل الشبكي المتحرك، ما جعل التهديد أقل وضوحاً وأكثر استدامة.

وأشار الطالقاني إلى أن الحدود الغربية للعراق باتت تمثل إحدى أكثر نقاط الضعف في منظومة الأمن الوطني، لافتاً إلى أن غياب سلطة مستقرة في الجانب السوري حوّل هذه الحدود إلى مساحة استنزاف أمني دائم، يتمثل في ضغط مستمر وليس في اختراقات واسعة.

كما حذّر من إعادة إحياء نمط التهديد غير المتناظر داخل العراق، مع نشاط خلايا نائمة في مناطق محررة سابقاً، مستفيدة من الامتدادات العشائرية والجغرافية العابرة للحدود، بما يطيل أمد الهشاشة الأمنية رغم غياب حرب مفتوحة.

وفي ما يتعلق بالشمال، أوضح الطالقاني أن تصاعد الضغوط على قوات سوريا الديمقراطية أضعف قدرتها على ضبط مناطق سيطرتها، ما انعكس قلقاً متزايداً في إقليم كردستان العراق، سواء من حيث احتمالات النزوح أو تصاعد التوترات مع تركيا، التي كثفت تحركاتها العسكرية في شمال سوريا وشمال العراق.

وتطرق الطالقاني إلى ملف مخيمات الاحتجاز في شمال شرق سوريا، واصفاً إياها بأنها من أخطر بؤر عدم الاستقرار الإقليمي، لما تمثله من بيئة خصبة لإعادة إنتاج التطرف، مشيراً إلى أن العراق يواجه تحدياً مركباً في إعادة آلاف المواطنين من هذه المخيمات، في ظل الرفض المجتمعي والوصم الاجتماعي.

وعلى الصعيد الإقليمي، لفت إلى تراجع النفوذ الإيراني في سوريا وما تبعه من إعادة ترتيب الأولويات، مقابل صعود أدوار تركية وعربية، الأمر الذي وضع العراق أمام بيئة إقليمية أكثر تنافسية تتطلب سياسة متوازنة.

وختم الطالقاني بالقول إن العراق في عام 2026 يتموضع بوصفه "ممتص صدمات" داخل نظام إقليمي مضطرب، مؤكداً أن استقراره بات مرهوناً بقدرته على إدارة الارتدادات القادمة من سوريا، عبر تعزيز أمن الحدود، ومعالجة الجذور الاجتماعية للتطرف، واعتماد سياسة إقليمية تحافظ على السيادة وتمنع تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات.

ع ع

اضف تعليق