يؤكد خبراء في الصحة والتغذية أن اختزال السمنة في مسألة “قوة إرادة” أو “ضبط نفس” يمثل فهماً قاصراً لحالة صحية معقدة تتداخل فيها العوامل البيولوجية والوراثية والبيئية، محذرين من أن هذا الطرح يكرّس الوصم الاجتماعي ويعيق إيجاد حلول فعالة.
وأظهرت دراسة نُشرت في مجلة لانسيت الطبية، شملت مشاركين من المملكة المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، أن ثمانية من كل عشرة أشخاص يعتقدون أن السمنة يمكن الوقاية منها بالكامل عبر خيارات نمط الحياة، وهو رأي يرفضه مختصون عملوا لسنوات مع مرضى السمنة.
وقالت اختصاصية التغذية بيني سوريش، إن كثيراً من المرضى يتمتعون بدافعية عالية ومعرفة غذائية جيدة، ومع ذلك يواجهون صعوبة في إنقاص الوزن، مؤكدة أن السمنة “ليست فشلاً أخلاقياً بل حالة مزمنة معقدة”.
من جهتها، أوضحت استشارية الغدد الصماء في جامعة كامبردج، البروفيسورة صدف فاروقي، أن الجينات تلعب دوراً أساسياً في تنظيم الجوع والشبع ومعدل الأيض، مشيرة إلى أن طفرات جينية شائعة، مثل جين MC4R، قد تزيد الشهية وتضعف الإحساس بالامتلاء لدى نسبة كبيرة من الناس.
ويشير خبراء إلى ما يُعرف بـ”نظرية نقطة الوزن الثابتة”، التي تفترض أن الدماغ يسعى للحفاظ على وزن معين، ما يجعل فقدان الوزن والحفاظ عليه تحدياً بيولوجياً، لا مجرد قرار شخصي. كما تسهم البيئة الحديثة، المليئة بالأطعمة فائقة المعالجة والرخيصة والإعلانات المكثفة وقلة فرص النشاط البدني، في تفاقم معدلات السمنة.
وفي هذا السياق، يرى مختصون أن الإجراءات الحكومية، مثل تقييد إعلانات الأطعمة غير الصحية، قد تساعد جزئياً، لكنها غير كافية وحدها لمعالجة ما بات يوصف بـ”أزمة السمنة”، خاصة في ظل ارتفاع كلفة الغذاء الصحي.
وبينما يختلف الجدل حول دور الدولة والمسؤولية الفردية، يجمع خبراء على أن قوة الإرادة تظل عاملاً واحداً ضمن شبكة معقدة من الأسباب، وأن التعامل مع السمنة يتطلب مقاربة شاملة قائمة على العلم والدعم والتعاطف، لا على اللوم والاختزال.
م.ال



اضف تعليق