تعديل السلوك لدى الأبناء يصبح أكثر حضورا في ذهن الأهل ومخططاتهم في رمضان؛ ففي هذا الشهر تتغير المواعيد الثابتة طوال العام (وقت العمل، الطعام، النوم، وغيره الكثير)، ومع هذه التغيرات قد تظهر سلوكيات لدى الأطفال كان الأهل يؤجلون التعامل معها.

لا تقتصر خصوصية شهر رمضان على أنه موسم للعبادة فقط، بل يمثل رمضان فرصة للتغيير ولإعادة ضبط العادات السلوكية عند كثير من الأسر التي تلجأ لمحاولة تغيير عدة سلوكيات مرة واحدة (الالتزام بالصلاة، تقليل الأجهزة، تنظيم النوم)؛ مما يؤدي غالبا إلى إحباط الأطفال وفقدان التركيز. فبحسب خبراء التربية، إن التغيير الفعال يبدأ بتحديد سلوك واحد والعمل عليه تدريجيا.

تشير دراسة نشرت في European Journal of Social Psychology إلى أن التكرار المنتظم للسلوك في بيئة محفزة يؤدي تدريجيا إلى أن يصبح السلوك عادة تلقائية وطبيعية.

وإن الاستجابة الفردية تختلف من طفل لآخر؛ فبعضهم يكتسب العادة بسرعة، بينما يحتاج آخرون إلى وقت أطول لتثبيتها بشكل مستمر، وهو ما يجعل التركيز على عادة واحدة، قابلة للتطبيق والاستمرار بالمتابعة، بداية فعالة لتغيير السلوك خلال رمضان.

لماذا نركز على سلوك واحد؟ وكيف نبدأ؟

تشير إحدى الدراسات إلى أن السلوك الواحد قد يحتاج 66 يوما لتغييره وتثبيته؛ ليصبح عادة تلقائية. وهذا يعني أن التركيز على سلوك واحد، ضمن أنشطة يومية خلال 30 يوما، يمكن أن يكون نقطة انطلاق فعالة لإحداث تحول سلوكي أوسع.

إذاً، كيف يمكن البدء؟

اختيار السلوك الذي نرغب في تعديله: عند النظر لسلوكيات أبنائنا بنظرة أشمل، يمكن أن نفتح بابا أعمق لفهم احتياجاتهم ودوافعهم؛ وبالتالي يكون قرار اختيار سلوك معين للعمل عليه نابعا من فهم واحتواء مشاعرهم، لا من انزعاج لحظي.

إدماج السلوك بأنشطة يومية: لا نستطيع التعامل مع السلوك بشكل منفرد ومنفصل عن باقي أنشطة اليوم، لذا من المهم التعامل معه في سياق يومي ثابت ومتكرر تعيشه الأسرة.

وهنا يمكن استثمار ثبات الروتين في شهر رمضان؛ فالأطفال يتفاعلون أكثر في لحظة عائلية واضحة، ومثال عليها في هذا الشهر وقت السحور أو الفطور.

التعزيز الإيجابي: عندما يبدأ الطفل بالتفاعل مع التغيير، يلزم تعزيزه بما يتناسب مع الفعل، ويفضل أن يكون مباشرة بعد السلوك؛ ليتم ربط السلوك بالشعور الإيجابي، وبالتالي المساهمة في ترسيخه، مثل أن يتم منحه دورا في اتخاذ قرار عائلي، كنتيجة مباشرة لسلوك إيجابي نرغب في تحفيزه.

التركيز على الاستمرارية: فهي الفارق، فتشكيل السلوك أو تغييره لا يأتي من محاولات عابرة، ولا يُبنى على الحماس المؤقت، وإنما يحتاج بناء نمط سلوك متكرر ليصل مرحلة التلقائية، ويصبح جزءا من يومهم بدون استعجال.

متابعة التقدم بطريقة مناسبة: يمكن الاستعانة بوسيلة بسيطة ومشجعة لمتابعة الالتزام، مثل وضع جدول يغطي أيام رمضان، واستخدامه للمتابعة وتسجيل التقدم والالتزام يوميا، مما يعزز الشعور بالمسؤولية، ويعطي الطفل شعورا بالإنجاز، وحافزا للاستمرار، وبذات الوقت يعطي الأهل فرصة للمراقبة والتقييم.

إهمال الاستماع لوجهة نظر الطفل يؤدي إلى خلق فجوة تعزز السلوك السيئ، وتؤثر على فهم الأهل للأسباب الحقيقية للمشكلة بسبب غياب التواصل الفعال مع الطفل

أخطاء شائعة في مرحلة تعديل سلوك الأطفال

بين الرغبة في استثمار رمضان كفرصة للتغيير، وبين ضغط الوقت والإرهاق اليومي، قد يقع بعض الأهل في ممارسات تُضعف الهدف الأساسي الذي يسعون إليه، ويلجؤون إلى إستراتيجيات تبدو فعالة على المدى القصير، لكنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وتُضعف عملية التغيير بدل أن تدعمها:

التهديد بدل التخطيط: قد يلجأ الأهل إلى التهديد السريع لوقف السلوك غير المرغوب فيه، مثل إخبار الطفل بنيتك فعل شيء وأنت لا تنوي فعله، فإن ذلك لن يعود عليك إلا بتعقيد المشكلة وزيادتها، كقولك على سبيل المثال: "توقف عن البكاء حالا وإلا…". عدم التزام الأهل بما يقولونه يقود الطفل غالبا إلى اختبار مدى جديتهم.

العقاب المبالغ فيه: العقوبات الشديدة قد توقف السلوك مؤقتا، لكنها لا تعلّم الطفل السلوك البديل الصحيح، كما قد تؤثر سلبا على العلاقة بين الطفل ووالديه. لذلك، الاهتمام بالسبب الجذري للسلوك يعد أكثر فاعلية من تضخيم العقوبة.

تجاهل الاستماع لأحاديث الطفل: إهمال الاستماع لوجهة نظر الطفل يؤدي إلى خلق فجوة تعزز السلوك السيئ، وتؤثر على فهم الأهل للأسباب الحقيقية للمشكلة؛ بسبب غياب التواصل الفعال مع الطفل؛ وهو ما يؤثر سلبا على ثقة الطفل بنفسه وبقدرته على التحسين.

الضرب: تشير دراسات عديدة بشكل قطعي إلى أن الضرب مرتبط بزيادة العدوانية لدى الأطفال، بدلا من حدها، ومرتبط بعدم امتثالهم للأوامر على المدى القصير والمدى الطويل، وأنه سبب في مشاكل الصحة النفسية والجسدية لدى الأطفال.

لذا يوصى بتجنب استخدام الضرب كوسيلة تقويم وتعديل للسلوك، واللجوء لبدائل مناسبة، حسب السلوك والمرحلة العمرية للطفل.

عندما يستقر السلوك الأول ويثبت نسبيا، يمكن البناء عليه تدريجيا، بحيث تتحول فرصة شهر رمضان من موسم مؤقت للتغيير إلى مرحلة تمهيدية لنمط تربوي طويل المدى

ماذا بعد رمضان؟ التثبيت

مع انتهاء الشهر الفضيل، واختفاء المحفزات الخارجية المرتبطة به، تبدأ مرحلة الاختبار الحقيقي للجهد المبذول.

رمضان قد يكون نقطة البداية، ولكن النتيجة النهائية مرتبطة بالاستمرارية، فالعادات لا تُبنى في شهر واحد فقط، بل تحتاج إلى استمرارية في السياق والتكرار، حتى تصل إلى مرحلة التلقائية وتحول السلوك إلى عادة.

تثبيت السلوك يتطلب عدة أمور:

الحفاظ على نفس الإشارات والدلالات اليومية التي ارتبط بها السلوك.

تقليل الاعتماد على المحفزات الخارجية تدريجيا.

تحويل التركيز إلى الدافع الداخلي لدى الطفل.

توقع الانتكاس والتعامل معه بهدوء؛ فذلك لا يعني فشل التجربة، بل يعد جزءا طبيعيا من مسار التغيير.

وعندما يستقر السلوك الأول ويثبت نسبيا، يمكن البناء عليه تدريجيا، بحيث تتحول فرصة شهر رمضان من موسم مؤقت للتغيير إلى مرحلة تمهيدية لنمط تربوي طويل المدى.


اضف تعليق