يشهد العراق  في السنوات الاخيرة تحديات مائية متفاقمة تهدد أمنه المائي والغذائي، في ظل تراجع الموارد السطحية وارتفاع معدلات الجفاف والتغير المناخي، الأمر الذي دفع المختصين إلى التحذير من خطورة استنزاف المياه الجوفية، باعتبارها أحد أهم البدائل الاستراتيجية لمواجهة الأزمة.

وفي دراسة علمية موسعة، أكد الأستاذ الدكتور صبار عبدالله صالح، عضو لجنة الزراعة والري في المنتدى العراقي للنخب والكفاءات، أن العراق دخل مرحلة حرجة مائياً خلال العقود الثلاثة الأخيرة، نتيجة انخفاض مناسيب نهري دجلة والفرات وتراجع معدلات الأمطار، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على المياه في القطاعات الزراعية والصناعية والسكانية.

وأوضح صالح، وهو أستاذ جيولوجيا الموارد المائية في كلية العلوم بجامعة تكريت، أن الدراسات الهيدروجيولوجية تشير إلى وجود تفاوت كبير في طبيعة الخزانات الجوفية وخصائصها بين مناطق العراق المختلفة، مؤكداً أن الساقط المطري يمثل العامل الأساسي في تغذية المياه الجوفية، إلا أن معدلات الأمطار تشهد انخفاضاً واضحاً في معظم المناطق، خصوصاً في الجنوب والغرب.

وبيّن أن معدل الأمطار السنوي يتراوح بين أقل من 100 ملم في المناطق الجنوبية وأكثر من 1000 ملم في شمال وشمال شرق العراق، في حين تسجل معدلات التبخر أرقاماً مرتفعة تصل إلى أكثر من 3500 ملم سنوياً في الجنوب، ما يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من المياه قبل الاستفادة منها.

وأشار إلى أن الموارد المائية التقليدية المتاحة في العراق تبلغ حالياً نحو 70 مليار متر مكعب سنوياً، في وقت يصل فيه حجم الاستهلاك إلى أكثر من 72 مليار متر مكعب، ما يعني وجود عجز مائي فعلي، مرجحاً أن تتراجع الموارد المتاحة بحلول عام 2035 إلى نحو 55 مليار متر مكعب فقط.

وأكدت الدراسة أن المياه الجوفية تمثل نحو 8 بالمئة من إجمالي الموارد المائية الوطنية، إلا أن سوء الإدارة وكثافة الحفر العشوائي والضخ الجائر تهدد هذا المورد الحيوي، خصوصاً في مناطق الصحراء الغربية والجنوبية ومنطقة الجزيرة.

ووفقاً للتقرير، فإن العراق يضم سبعة نطاقات هيدروجيولوجية رئيسية، أبرزها السهل الرسوبي والطيات الواطئة والطيات العالية والصحراء الغربية والجنوبية، ولكل نطاق خصائص مختلفة من حيث التغذية ونوعية المياه وعمق الخزانات واتجاهات حركة المياه الجوفية.

وبيّنت الدراسة أن اتجاه حركة المياه الجوفية في العراق يكون غالباً نحو السهل الرسوبي الذي يمثل منطقة تصريف رئيسية للمياه الجوفية القادمة من المناطق المرتفعة في الشمال والغرب، بينما تتجه المياه في الصحراء الغربية والجنوبية نحو نهر الفرات وشط العرب.

وفي ما يتعلق بأعماق المياه الجوفية، أوضح صالح أن الأعماق تختلف بشكل كبير من منطقة إلى أخرى، إذ تتجاوز 300 متر قرب الحدود العراقية الأردنية والسعودية، بينما تنخفض إلى أقل من 10 أمتار في مناطق السهل الرسوبي جنوب العراق، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على كلف الحفر والاستثمار.

أما من ناحية النوعية، فقد كشفت الدراسة عن ارتفاع نسب الملوحة في كثير من خزانات المياه الجوفية، خاصة في مناطق الجزيرة والصحراء الغربية والجنوبية والفرات الأوسط وشرق العراق، في حين تتمتع مناطق شمال وشمال شرق العراق بمياه أقل ملوحة وأكثر ملاءمة للاستخدام البشري والزراعي.

وأكدت الدراسة أن المياه الجوفية في معظم مناطق العراق لا تصلح للاستخدام المنزلي المباشر بسبب ارتفاع الملوحة، مع وجود جيوب محدودة للمياه العذبة في بعض مناطق الصحراء الغربية والجنوبية، ما يستدعي إجراء تحريات دقيقة لاستثمارها بشكل أمثل.

كما حذرت من استمرار استخدام طرق الري التقليدية التي تتسبب بهدر كبير للمياه الجوفية، لافتة إلى أن القطاع الزراعي يستهلك أكثر من 90 بالمئة من الموارد المائية في العراق، رغم محدودية مساهمته في تحقيق الأمن الغذائي.

ودعت الدراسة إلى تبني استراتيجية وطنية شاملة لإدارة المياه الجوفية، تتضمن فرض ضوابط صارمة على حفر الآبار، ومنع الحفر غير المرخص، وتطوير قاعدة بيانات دقيقة للخزانات الجوفية باستخدام التقنيات الحديثة.

وشددت على أهمية التوسع في مشاريع التغذية الصناعية للخزانات الجوفية عبر استثمار مياه الوديان والسدود الصغيرة، إضافة إلى إنشاء سدود تحت سطحية للحد من ضياع المياه، مع التوسع في مشاريع تحلية المياه الجوفية بالمناطق النائية.

كما أوصت بتطوير تقنيات الري الحديثة مثل التنقيط والرش، وتشجيع الاستثمار المحلي في تصنيع معدات الري لتقليل الاعتماد على الأساليب التقليدية، إلى جانب التوسع في زراعة المحاصيل المقاومة للملوحة والجفاف.

ويرى مختصون أن ملف المياه الجوفية بات يمثل أحد أهم ملفات الأمن القومي العراقي، في ظل استمرار التغيرات المناخية وتراجع الإطلاقات المائية من دول المنبع، ما يتطلب تحركاً حكومياً عاجلاً لتفادي أزمة مائية قد تكون الأخطر في تاريخ البلاد الحديث.

 

س ع


اضف تعليق