منذ مطلع العام، تتصاعد المؤشرات بين واشنطن وطهران على وقع رسائل متضاربة تجمع بين التهديد والتفاوض، ما يجعل المشهد أقرب إلى حافة مواجهة مفتوحة. وبين حشد عسكري غير مسبوق في المنطقة وتصريحات أمريكية تترك كل الخيارات مطروحة، يبقى القرار النهائي رهناً بما قد يعلنه الرئيس الأمريكي في أي لحظة، وسط ترقب إقليمي ودولي واسع.
فما إن أكمل دونالد ترمب العام الأول من ولايته الثانية حتى عاد ليصعّد لهجته متحدثا بالتلميح والتصريح عن احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران، علما بأنه قام بذلك فعلا عندما أرسل قاذفاته الثقيلة لقصف إيران في الأيام الثلاثة الأخيرة مما عرف بحرب الـ12 يوما بين إسرائيل وإيران في يونيو/حزيران الماضي.
وقتها قال ترمب إن المنشآت النووية الإيرانية التي استهدفها القصف الأميركي "دمّرت بالكامل"، ثم عاد لتأكيد ذلك في الشهر التالي، ردا على تقرير لشبكة "إن بي سي" أفاد بأن بعض هذه المواقع صمد إلى حدّ بعيد.
ومع ذلك فإن الولايات المتحدة عادت مجددا للحديث عن خطر نووي وصاروخي تمثله إيران، لتتوالى عبر الأسابيع الماضي تصريحات ومواقف أثارت الكثير من القلق ليس الشرق الأوسط فقط، بل ربما طال صداها نطاقا أوسع من هذا العالم.
لا أحد يعلم
ما يلفت النظر في حروب ترمب، أنك لا تستطيع أن تتحدث بأي درجة من اليقين عما يمكن أن يحدث، يكفي أن تراجع تصريحات الأسابيع القليلة الماضية لتتأكد من ذلك، ففي غضون أيام قلائل، بل خلال اليوم الواحد يمكنك أن تسمع أخبارا بعضها عن تواصل الحشد لضربة وشيكة وبعضها الآخر عن مفاوضات تمضي قدما.
أما إن كنت تحتاج دليلا إضافيا، فإليك ما نقله موقع أكسيوس الإخباري اليوم عن مسؤول أمريكي رفيع لم يكشف هويته قال إنه حتى أقرب مستشاري الرئيس الأمريكي لا يعرفون ما الذي سيقرره أو متى سيفعل!
يقول أحد كبار مستشاري ترمب (وفقا لأكسيوس): "لم يقرر الرئيس بعدُ شنّ هجوم. أعلم ذلك لأننا لم نشنّ هجومًا. قد لا يفعلها أبدًا. قد يستيقظ غدًا ويقول: ‘هذا كل شيء’،" هكذا صرّح أحد كبار مستشاري ترامب.
هذا يؤكد ما قالته أيضا المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي: "قد تستمر وسائل الإعلام في التكهن بتفكير الرئيس كما تشاء، لكن الرئيس ترمب وحده يعلم ما قد يفعله أو لا يفعله."
ما الذي يجري؟
ولنبدأ من الأحدث ونحن نخوض مغامرة محاولة فهم ما يجري، وهو أمر بات عزيزا، فما بالك إن ذهب الطموح إلى حد محاولة توقع ما قد يجري!
موقع أكسيوس الذي اعتاد خطف الأنظار بتصريحات حصرية وقت الأزمات خصوصا، نقل عن هذا المسؤول الأمريكي الرفيع تصريحا قد تعتقد للوهلة الأولى أنه يضيف جديدا قبل أن تكتشف أن ما فيه لا يعدو عرضا لخيارات جرى الحديث عنها عشرات المرات.
فالمسؤول يقول إن "ترمب لم يقرر بعد شن هجوم على إيران، لكنه يبقي خياراته مفتوحة وقد يقرر ذلك في أي لحظة".
ويتواصل التصريح بنفس الطريقة "حمّالة الأوجه" فهو يتحدث عن استعداد واشنطن لقبول مقترح بتخصيب إيران لليورانيوم بشرط أن يتم ذلك بشكل رمزي ودون أن يساعد إيران بأي شكل على امتلاك قنبلة نووية.
ويضيف المسؤول أن "على الإيرانيين تقديم عرض لا يمكننا رفضه إذا رغبوا في منع وقوع هجوم"، كما يقول إن الرئيس ترمب سيكون مستعدا لقبول اتفاق جوهري يمكن تسويقه سياسيا في الداخل.
التصريح أو بالأحرى التسريب الأخير لا يروي ظمأ التساؤلات:
هل ستشن الولايات المتحدة هجوما عسكريا على إيران؟ وما حدود هذا الهجوم إن حدث؟ وما أهدافه؟ أم أن واشنطن تحشد قواتها وتشحذ مواقفها فقط من أجل الضغط على طهران كي يتم التوصل إلى اتفاق يرضي الأمريكيين وحلفاءهم الإسرائيليين؟
هل هو حشد استعراضي؟
يتساءل الكثيرون عن احتمال أن يكون هذا الحشد العسكري الكبير من جانب الولايات المتحدة مجرد ورقة ضغط على إيران كي تقبل باتفاق يقيد كثيرا قدراتها النووية وحت الصاروخية.
لكن الرد على ذلك يأتي من كثير من المحللين والخبراء الذين عبروا عن اعتقادهم بأن القطب العالمي الأوحد ليس بحاجة إلى حشد كل هذه القوات وبهذه التكلفة الكبيرة لمجرد ممارسة الضغط على إيران.
كما نقلت وكالات الأنباء عن خبراء ومسؤولين سابقين في البنتاغون تأكيدهم أن حجم هذه التعزيزات العسكرية الأمريكية بالمنطقة وسرعة تنفيذها يجعلان الهجوم يبدو أكثر احتمالا من أي وقت مضى.
وحسب الأنباء المتواترة فإن هذا الحشد الأمريكي في الشرق الأوسط هو الأضخم منذ غزوها للعراق في عام 2003، وقد امتد ليشمل مقاتلات شبحية متطورة، من طراز "إف-35″ و"إف-22" إلى جانب مقاتلات "إف-16" و"إف 15″، وطائرات الإنذار المبكر (أواكس)، وطائرات اتصالات ميدانية (إف-11)، وطائرات دعم وقيادة، وأنظمة دفاع جوي.
وفي البحر، تتموضع حاملة الطائرات (أبراهام لينكولن) غير بعيد عن إيران مدعومة بعدد من المدمرات القادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية، فيما انطلقت نحوها حاملة الطائرات (جيرالد فورد) قادمة من غرب الأطلسي، مما يرفع عدد السفن الأمريكية في المنطقة إلى 13 سفينة قتالية، وفق مسؤولين في البحرية الأمريكية.
ووفق تحليل لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية، فإن واشنطن نشرت قوة تكفي لخوض حملة جوية تمتد لأسابيع، خاصة وأنها تشمل أيضا تحركات لوجيستية مكثفة شملت 39 ناقلة وقود جوي و29 طائرة نقل ثقيل.
وبدورها تقول صحيفة وول ستريت جورنال إن طبيعة هذا الحشد تشير إلى استعداد أمريكي لخيار يتجاوز الضربة المحدودة، مثل تلك التي نُفذت في يونيو/حزيران الماضي ضد 3 مواقع نووية إيرانية، ويدفع نحو حملة جوية مستدامة قد تمتد لأسابيع.
وكالات
س ع



اضف تعليق