مع كل زيارة ضخمة تشهدها كربلاء تبرز ازمة النقل كأحدى الازمات المزمنة التي لا تقبل التراجع، حيث بقيت الخطط والآليات الحكومية التقليدية لنقل الوافدين عاجزة امام الاعداد المايونية التي تستقبلها وتودعها المدينة في آن واحد وعبر محاور متعددة.
تكشف مؤشرات الواقع الحضري في محافظة كربلاء عن فجوة واضحة بين حجم النمو السكاني من جهة، وبين مستوى البنى التحتية الخاصة بالنقل والتخطيط الحضري من جهة أخرى. وتزداد حدة هذه الفجوة بالنظر إلى خصوصية المدينة بوصفها واحدة من أهم المدن الدينية والسياحية حول العالم.
وينعكس تعدد المشاريع المتعثرة أو غير المكتملة في قطاع النقل، على حياة السكان المحليين و تجربة الزائرين على حد سواء، ما يتطلب قراءة واقعية وشاملة لقطاع النقل في كربلاء، بوصفه ملفا يرتبط بالأمن الخدمي والاقتصادي والسياحي للمدينة.
في هذا التقرير نتتبع رحلة طويلة تعثر مشاريع النقل الكبرى في واحدة من اهم مدن السياحة الدينية حول العالم.
أكثر من نصف السكان يقيمون النقل العام بالضعيف جداً
أظهر استطلاع للرأي أجراه "ملتقى النبأ للحوار" خلال شهر آيار 2026، وشمل عينة من 750 مواطنا من سكان كربلاء، وجود فجوة كبيرة في قطاعي التخطيط الحضري والنقل بالمحافظة.
وأشارت نتائج الاستبانة إلى أن 57.4% من المشاركين يقيمون خدمات النقل العام بـ "الضعيفة جدا"، بينما يرى 47.1% منهم أنهم يعانون من الازدحامات المرورية بشكل مستمر، مما دفع 55.3% للاعتماد كليا على المركبات الخاصة في تنقلاتهم اليومية.
وأكد 51.2% من المبحوثين أن الطرق الحالية تفتقر للقدرة الاستيعابية اللازمة لاستقبال أعداد الزائرين خلال المناسبات الدينية.
وخلص الاستطلاع إلى أن 77.4% من المشاركين يحملون الحكومة المحلية المسؤولية المباشرة لتطوير التخطيط الحضري، معتبرين أن "تطوير التخطيط الحضري والنقل والمواصلات" يجب أن يكون الأولوية القصوى للمستقبل.
تُعد كربلاء واحدة من أكبر الوجهات الدينية في العالم، حيث تستقبل خلال الزيارات المليونية (مثل الأربعين) أعدادا قد تتجاوز عدة ملايين من الزائرين خلال فترة قصيرة.
هذا الواقع يحول المدينة إلى مركز ضغط هائل على الطرق الداخلية والخارجية و مداخل ومخارج المدينة ووسائل النقل العام وخدمات النقل البيني بين المحافظات.
وبالتالي فإن أي خلل في التخطيط لا ينعكس على السكان فقط، بل يتحول إلى أزمة إدارة حشود معقدة، ما يجعل تطوير وسائل النقل في المحافظة ضرورة استراتيجية.
مطار كربلاء.. مشروع طال انتظاره ومواعيد افتتاح لم تتحقق
بعد تأخر الاتفاق على انشاء مطار كربلاء لاسباب سياسية، جرى طرح خيار بديل تمثل في استثمار ما تبقى من احد المطارات العسكرية السابقة في منطقة الامام عون شمال كربلاء لانشاء مطار على وجه السرعة خلال مدة لا تتجاوز (10) اشهر.
وفي عام 2017 اجرى وزير النقل الاسبق كاظم فنجان الحمامي، زيارة إلى مدينة كربلاء للاطلاع على الموقع المقترح لمشروع مطار الإمام عون، حيث رافقه مجموعة من الصحفيين، .بعدها تحدث خلال مؤتمر صحفي من داخل مجلس المحافظة، عن أن المطار "قد يكون الأحدث في العراق"، موضح أن التصميم يتضمن مدرجين وبرج مراقبة ومرافق خدمية متعددة.
إلا أن هذه الزيارة لم تتبعها خطوات تنفيذية ملموسة، ودخلت المدينة اثر ذلك في حالة من الانتظار الطويل لإنجاز مشروع مطار كربلاء الدولي.
بدأت الخطوات الحقيقية لمشروع مطار كربلاء في عام 2009 إذ كلفت وزارة النقل العراقية واحدة من اكبر الشركات في العالم في مجال تصميم المطارات و هي شركة ADPI الفرنسية لوضع تصميم للمشروع و قد أنجز التصميم في الثلث الأول من عام 2014، فيما بدأت اعمال التنفيذ داخل الموقع العام 2017 حيث جرى وضع حجر الأساس بتاريخ 23-01-2017 و المباشرة بالعمل و الحصول على الاجازة الاستثمارية الخاصة بالمشروع.
حدد مسؤولون رسميون في كربلاء مواعيد كثيرة لافتتاح المطار خلال السنوات السابقة إلا أنه لم يُستكمل أو يدخل الخدمة حتى الآن.
مرآب كربلاء الموحد.. مشروع بمليارات الدنانير خرج من الخدمة قبل أن يؤدي دوره
بدأ العمل بمرآب كربلاء الموحد عام 2007 بعد إسناده إلى إحدى الشركات القبرصية، إلا أن المشروع سُحب منها عام 2010 بسبب تلكؤها في التنفيذ، ليُحال في العام نفسه إلى شركة تركية تمكنت من إنجازه عام 2012 بكلفة بلغت 15 مليار دينار عراقي.
يقع المرآب على مساحة 26 ألف متر مربع في منطقة فريحة، على بُعد 5 كم شرق كربلاء، ويتكون من طابقين ويتسع لنحو 2500 سيارة في وقت واحد. كما يضم صالات انتظار ومكاتب للصيرفة، وخدمات اتصالات مثل الهواتف والإنترنت، إضافة إلى حدائق ومطاعم.
لكن بدلا من أن يؤدي المرآب وظيفته الأساسية في تنظيم النقل، جرى استخدامه منذ عام 2016 كمركز لإصدار البطاقة الموحدة، بعد التنسيق مع العتبة الحسينية المقدسة.
قطار كربلاء المعلق.. مشروع من حبر وورق
يعد قطار كربلاء المعلق (Karbala Monorail) من أقدم مشاريع النقل الاستراتيجية التي طُرحت لخدمة المدينة والزائرين، حيث نشرت الهيئة الوطنية للاستثمار تفاصيله عام 2011 ودعت المستثمرين للمشاركة في تنفيذه. إلا أنه بقي حتى الآن في مرحلة الطرح الاستثماري ولم يدخل حيز التنفيذ الفعلي.
مشروع النقل العام.. اسطول لم يغادر مكانه
في عام 2021، أطلقت كربلاء المرحلة الأولى للنقل العام عبر 10 حافلات من نوع (King Long)، ضمن خطة كانت تهدف إلى الوصول إلى 100 حافلة في المراحل اللاحقة.
توزعت الحافلات على خمسة مسارات رئيسية تغطي أغلب مناطق المحافظة، وهي: خط طريق بغداد، وخط جامعة كربلاء – منطقة فريحة، وخط الملعب الدولي، وخط الدور، وخط المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة.
وقد رافق إطلاق المشروع تفاعل واسع من أهالي المدينة عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن التجربة العملية أثبتت محدودية نجاحه بشكل كبير.
وبعد مرور عام على افتتاحه، بقيت الحافلات متوقفة في أماكنها دون تشغيل فعلي، فيما كشفت مصادر لوكالة نون الخبرية التابعة للعتبة الحسينية أن "المشروع أصبح غير مجدٍ، وأن الإيرادات المتحققة منه لا تغطي تكاليف الوقود والصيانة. وأضافت المصادر أن "الحافلات عُرضت على سائقين للعمل عليها مقابل تحملهم تكاليف التشغيل، إلا أنهم رفضوا ذلك، ما دفع إدارة المشروع إلى تسليم عدد منها إلى مؤسسات حكومية مقابل أجور متفق عليها، بينما تُرك ما تبقى منها فترك بالعراء".
يعكس واقع النقل في كربلاء إشكالية تتجاوز نقص الخدمات إلى سوء التخطيط الاستراتيجي وإدارة المشاريع الكبرى، خصوصا في مدينة ذات طابع سياحي عالمي.
ومع تكرار ذات المشكلات خلال الزيارات المليونية، تتجلى الحاجة الملحة إلى إعادة بناء منظومة النقل على أسس حديثة تحفظ للانسان كرامته وللمدينة قدسيتها واهميتها الدينية والسياحية والاقتصادية والتاريخية.



اضف تعليق