النبأ: طرح الكاتب سردار الهركي تساؤلات جوهرية حول التحولات العميقة في السياسة الأمريكية خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، معتبرا أن الولايات المتحدة تشهد انزياحًا مقلقا عن القيم الغربية التي لطالما ادّعت تمثيلها، وفي مقدمتها الحرية، والعدالة، وحقوق الإنسان، والمسؤولية الأخلاقية في إدارة القوة.

ويشير الهركي إلى أن انتقاد السياسات الأمريكية ليس جديدًا، لافتًا إلى المقولة الشهيرة التي تختصر فلسفة واشنطن الواقعية: "لا أصدقاء دائمون، بل مصالح دائمة". 

ورغم قسوة هذا المنطق، يرى الكاتب أن وجود الولايات المتحدة كقوة دولية فاعلة ظلّ، في نظره، أقل ضررًا من غيابها الكامل عن المشهد العالمي، شريطة أن يستند هذا الدور إلى حدٍّ أدنى من القيم الأخلاقية.

ويستعيد الكاتب ذكرياته الأولى مع المشهد السياسي الأمريكي، حين كان يثير استغرابه الدعم المالي الكبير الذي يقدمه كبار الأثرياء والشركات العملاقة للحملات الانتخابية الرئاسية. ومع مرور الوقت، خلص إلى أن هذه التبرعات لا تنطلق من إيمان بالديمقراطية بقدر ما ترتبط بتوقعات تحقيق مكاسب مستقبلية، من امتيازات وإعفاءات وتشريعات تخدم مصالح الممولين.

ومن هذا المنطلق، يطرح الهركي سؤالًا محوريًا: ماذا يحدث حين يصل أحد كبار الأثرياء أنفسهم إلى سدة الرئاسة؟ وماذا لو أصبحت عقلية الربح والخسارة هي البوصلة الوحيدة لإدارة أقوى دولة في العالم؟

ويرى الكاتب أن هذه المخاوف لم تعد افتراضية، بل تحولت إلى واقع ملموس، مع وصول أحد أغنى رجال العالم إلى رئاسة الولايات المتحدة، محاطًا بدائرة ضيقة من رجال المال والأعمال الذين ساهموا في دعمه وتمويله، من بينهم ستيف ويتكوف وتوم باراك. ويعتبر الهركي أن أدوار بعض هذه الشخصيات، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، تثير تساؤلات جدية حول طبيعة رؤية الإدارة الأمريكية الجديدة للعالم.

ويؤكد الكاتب أن قرارات إدارة ترامب لم تكن معزولة أو ارتجالية، بل جاءت منسجمة مع عقلية رأس المال غير المقيد، مستشهدًا بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، وإلغاء الأطر التنظيمية للذكاء الاصطناعي التي وُضعت في عهد الإدارة السابقة، إضافة إلى الانسحاب من عشرات الاتفاقيات والمنظمات الدولية المعنية بالبيئة وحقوق الإنسان والصحة العالمية.

ويخلص الهركي إلى أن هذه السياسات أفرزت حالة من الفوضى في التجارة العالمية، وارتباكًا في التحالفات الدولية، وقصر نظر في التعاطي مع الحرب الروسية على أوكرانيا، فضلًا عن غياب شبه كامل لرؤية استراتيجية طويلة الأمد.

وفي ختام حديثه، يرى الكاتب أن العالم لا يواجه أزمة عابرة، بل يعيش حالة فوضى دولية تتراجع فيها القيم أمام الصفقات، ويُدار فيها النظام العالمي بعقلية رجل أعمال لا بعقلية رجل دولة. ويؤكد أن الأمل المتبقي يبقى معقودًا على وعي الشعب الأمريكي وقدرته على تصحيح المسار في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، محذرًا من أن فقدان الولايات المتحدة لبوصلة القيم الأخلاقية لن تكون تداعياته داخلية فحسب، بل ستطال العالم بأسره، نحو مرحلة أكثر قسوة وأقل عدالة.


اضف تعليق