النبأ: في العراق، لا يزال الذهب يشغل مساحة ثقافية واجتماعية كبيرة في حياة العراقيين، لكن مع ارتفاع الأسعار وتحولات اقتصادية عميقة، يعيش هذا المعدن النفيس اليوم مفترق طرق بين رمزية الاحتفاء وعبء الواقع المعاش.
يُعتَبر الذهب تقليدا متجذرا في نظام مهر الزواج، حيث يُتوقع من العريس تقديم كمية من الذهب للعروس ضمن عقد الزواج، فان هذا التقليد الاجتماعي هي أكثر من زينة ويُنظر إليه لدى الكثيرين كـ دليل على الاستقرار المالي والمقام الاجتماعي. ومع ذلك، أضحى هذا التوقع ثقلًا اقتصاديا ملموسا في ظل ارتفاع غير مسبوق في الأسعار خلال السنوات الأخيرة.
يقول وهاب صباح مدحت، ناشط مدني عراقي: "الشاب العراقي المقبل على الزواج يواجه ضغوطًا مادية كبيرة، لا سيما فيما يخص شراء الذهب للعروس، حيث لا يقل الذهب المقدم غالبًا عن 10 مثاقيل… هناك نفقات أخرى تثقل كاهل العريس مثل الملابس، واستئجار أو شراء منزل وتأثيثه…"، في وصف صارخ للتحديات اليومية التي تواجه الشباب في ظل تراجع القدرة الشرائية.
نفقات زواج عالية
ويشير ماهر محمد، صائغ في بغداد، إلى تأثير الأسعار على السوق نفسه: "الناس يؤجلون الزواج… لا يمكنهم تحمل تكلفة الذهب الآن، وهذا يؤثر على السوق بأكمله."، مما يعكس انخفاض الإقبال على شراء الذهب لأغراض الاحتفال مقارنة بالأعوام السابقة.
وليس فقط العريس في معركة مع الأسعار، فالأسر ضمن المدن العراقية تشعر بثقل التكاليف العامة. تقول أم حسن من كربلاء: "حتى موظف الحكومة يجد صعوبة في توفير ما يكفي للزواج… الذهب جزء من عبء كبير يشمل أثاث المنزل والملابس وغيرها من الاحتياجات."، مما يوضح كيف امتدت الآثار الاجتماعية إلى ما هو أبعد من مجرد تزيين العروس.
يشير الواقع الاقتصادي إلى أن أسعار الذهب في العراق شهدت ارتفاعات كبيرة بحيث أصبحت مستويات الأسعار خارج قدرة كثير من الطبقات المتوسطة، وهي زيادة دفعت بعض الأسر إلى إعادة تقييم أدوار وتوقعات الزواج التقليدية.
وقد دفعت هذه الضغوط بعض الباحثين الاجتماعيين إلى الحديث عن ضرورة تخفيف المظاهر التقليدية والبحث عن بدائل أقل تكلفة للذهب كرمز اجتماعي في الزواج، في محاولة لإعادة تعريف الاحتفالات بما يتناسب مع القدرة الاقتصادية الحالية.
استمرار التمسك
في الوقت ذاته، يرى بعض المتابعين أن استمرار التمسك بالمظاهر التقليدية من دون مرونة قد يجعل من الزواج رفاهية غير متاحة لشريحة واسعة من الشباب العراقي، وهو ما دفع إلى نقاشات متزايدة داخل المجتمع حول ما إذا كان التقليد التاريخي للذهب في الأعراس يخدم اليوم روابط الأسرة والمجتمع أم يعرقلها تحت ضغوط الأسعار والاقتصاد.
في نهاية المطاف، يبقى الذهب في العراق أكثر من معدن، إنه سجل اجتماعي واقتصادي مترابط مع حياة الناس وأحلامهم. وبينما يواصل المعدن النفيس بريقه في الوجدان الشعبي، فإن الواقع المعاش يفرض تحديات كبيرة تجعل من إعادة تقييم دوره ضرورة معاصرة ونقاش ثقافي.



اضف تعليق