أصدر ملتقى النبأ للحوار، عبر فريق السياسات العامة، ورقة سياسات إستراتيجية بعنوان "إستراتيجية التحول نحو سيادة الطاقة: خارطة طريق لتطوير قطاع الغاز في العراق (2026–2030)"، تناولت ملامح التحول الهيكلي المطلوب في قطاع الغاز العراقي، والسبل العملية لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة وصولاً إلى مرحلة التصدير خلال السنوات المقبلة.

وتهدف الورقة إلى تقديم رؤية إستراتيجية لصانع القرار في الحكومة العراقية، عبر رسم مسار تنفيذي واضح لتحقيق سيادة الطاقة من خلال استثمار الثروات الغازية الهائلة التي يمتلكها العراق، والانتقال من مرحلة هدر الغاز عبر الحرق إلى مرحلة تعظيم الاستفادة منه اقتصادياً وصناعياً.

وأكدت الورقة أن العراق يمتلك احتياطيات غازية مؤكدة تقدر بنحو 132 تريليون قدم مكعب، إلا أنه لا يزال يعتمد على استيراد ما يقارب 40% من احتياجاته من الغاز والكهرباء من الخارج، في وقت يصل فيه حجم الغاز المحترق سنوياً إلى 18.2 مليار متر مكعب، ما يضع البلاد ضمن أعلى الدول عالمياً في هدر الغاز.

وأشارت الورقة إلى أن فاتورة استيراد الغاز والكهرباء تتراوح بين 7 و8 مليارات دولار سنوياً، وهو ما يشكل ضغطاً كبيراً على الموازنة العامة ويزيد من هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات أسعار النفط، الأمر الذي يجعل تحقيق سيادة الطاقة ضرورة اقتصادية وأمنية في آن واحد.

وتقترح الورقة خارطة طريق تمتد من عام 2026 إلى عام 2030، تقوم على ثلاث مراحل رئيسية لرفع الإنتاج الوطني من الغاز الجاف من نحو 1.8 مليار قدم مكعب يومياً حالياً إلى أكثر من 3 مليارات قدم مكعب يومياً، مع استهداف الوصول إلى صفر حرق روتيني للغاز بحلول عام 2028 وتحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من وقود محطات الكهرباء بحلول عام 2030.

وتناولت الورقة عدداً من المشاريع الإستراتيجية التي تشكل العمود الفقري لهذا التحول، من بينها مشاريع معالجة الغاز في أرطاوي والحلفاية والناصرية والغراف، إضافة إلى تطوير حقول الغاز الحر مثل عكاس والمنصورية، فضلاً عن مشروع نمو الغاز المتكامل (GGIP) الذي تنفذه شركات دولية باستثمارات تقارب 10 مليارات دولار.

كما سلطت الورقة الضوء على أهمية تنويع مصادر الطاقة عبر إدماج الطاقة الشمسية والطاقة المتجددة ضمن مزيج الطاقة الوطني، إلى جانب تطوير الصناعات البتروكيماوية وإنشاء منافذ تصديرية جديدة للغاز والمشتقات.

وفي الجانب الجيوسياسي، ناقشت الورقة تحديات الاعتماد على الغاز المستورد، خصوصاً من إيران، والجهود الحكومية الرامية إلى تنويع مصادر الاستيراد مؤقتاً عبر اتفاقيات المقايضة واستيراد الغاز من تركمانستان، إلى حين اكتمال مشاريع الإنتاج المحلي.

كما تطرقت الورقة إلى التحديات القانونية والمؤسسية، وفي مقدمتها غياب قانون النفط والغاز الاتحادي، والنزاعات القانونية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، مؤكدة أن تسوية هذه الملفات تمثل شرطاً أساسياً لاستقرار قطاع الطاقة وجذب الاستثمارات الدولية.

وخلصت الورقة إلى مجموعة من التوصيات لصانع القرار، أبرزها الالتزام بالجداول الزمنية لمشاريع الغاز، وتفعيل دبلوماسية الطاقة مع دول الجوار، وإصلاح نماذج التمويل والعقود النفطية، وتشريع قانون النفط والغاز الاتحادي، إضافة إلى الاستثمار في تطوير الكفاءات الوطنية المتخصصة في تقنيات الغاز.

وأكدت الورقة في ختامها أن تحقيق سيادة الطاقة في العراق بحلول عام 2030 يمثل هدفاً واقعياً إذا ما توفرت الإرادة السياسية والإدارة المؤسسية الفاعلة، بما يسهم في إنهاء عقود من الهدر والاعتماد الخارجي، وتحويل العراق إلى مركز إقليمي للطاقة.


اضف تعليق