تشير التجارب السابقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا سيما خلال أزمات يناير وتعاملاته المتكررة مع إيران، إلى أن تهديداته العسكرية غالبًا ما تكون قابلة للتنبؤ، لكنها محدودة الفاعلية على أرض الواقع. فرغم التصعيد الكلامي وحشد القطع البحرية في الخليج، فإن الخيارات العسكرية المتاحة أمام البيت الأبيض تبدو ضيقة ومعقدة، وتفتقر إلى عنصر المفاجأة.

فالانتشار العسكري الأمريكي قبالة السواحل الإيرانية يتم ببطء وعلنية، وقد بدأ ترامب التلويح بعمل عسكري منذ أسابيع، في وقت لم تكن فيه واشنطن تمتلك القوة النارية الكافية لتنفيذ هجوم واسع. وحتى مع التحسن التدريجي في الجاهزية، لا تزال الولايات المتحدة تعتمد على مجموعة واحدة من حاملات الطائرات، يمكن تتبع تحركاتها بسهولة عبر مصادر مفتوحة، ما يقلل من فعاليتها العملياتية.

في المقابل، ورغم ما تعرض له النظام الإيراني من استنزاف في بنيته القيادية ومخزونه الصاروخي خلال الأشهر الماضية، إلا أن ضعفه النسبي لا يسهّل قرار المواجهة، بل يزيده تعقيدًا. فإيران، التي تعيش حالة استنفار منذ الهجوم الإسرائيلي الواسع، قد تكون أقل قدرة على الرد، لكنها أكثر استعدادًا للمخاطرة دفاعًا عن بقاء النظام.

وتُظهر تجربة ترامب السابقة أن التصعيد لا يعني بالضرورة الفعل. فكما تراجع سريعًا عن مواقفه الحادة بشأن غرينلاند، يبقى احتمال أن تكون تهديداته لإيران مجرد استعراض سياسي واردًا بقوة، خاصة أن إثارة الجدل وصناعة العناوين تشكلان جزءًا أساسيًا من أسلوبه في الحكم.

وإذا لجأ ترامب إلى عمل عسكري، فمن المرجح أن يكون محدودًا ودقيقًا، على غرار عمليات اغتيال قاسم سليماني أو الضربات السابقة على المنشآت النووية الإيرانية. هذه العمليات، رغم جرأتها، كانت قصيرة الأمد وافتقرت إلى رؤية واضحة لمرحلة ما بعد التنفيذ، وهو ما يعترف به مسؤولون أمريكيون أنفسهم، خصوصًا في ما يتعلق بمستقبل إيران بعد المرشد الأعلى علي خامنئي.

أما استهداف القيادة الإيرانية أو ما تبقى من البرنامج النووي، فيحمل مخاطر سياسية وعسكرية كبيرة، وقد يقوض رواية النجاح التي روّج لها ترامب سابقًا. كما أن توسيع نطاق الضربات ليشمل البنية التحتية العسكرية والأمنية قد يؤدي إلى خسائر بشرية واسعة، ما يفاقم العداء الشعبي للولايات المتحدة ويمنح النظام الإيراني مبررًا إضافيًا للتشبث بالسلطة.

في ظل غياب الاستعداد لحرب طويلة، وانعدام الرغبة السياسية في إرسال قوات برية، يجد ترامب نفسه أمام معضلة مألوفة: إما استعراض قوة عسكرية محدودة محفوفة بالمخاطر، أو الانسحاب التكتيكي وتغيير بوصلة الاهتمام الإعلامي. وفي كلتا الحالتين، تبقى السياسة الخارجية الأمريكية رهينة قرارات شخصية متقلبة، حيث يصبح الترقب بحد ذاته أداة سياسية.

ترجمة النبأ



اضف تعليق