تتغيّر متطلبات الزواج في العراق اليوم، ويتحدث شبان عن أن الحفلات باتت ساحة للتنافس على أشكال المراسم وتكاليفها على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يجعل شباناً من الجنسين يعزفون عن الارتباط.
لم تعد الأعراس في العراق مجرد مناسبات اجتماعية، بل مساحة للتنافس، وسط ضغوط اجتماعية تغذيها مواقع التواصل الاجتماعي، إذ باتت تفاصيل الحفل تُصنع بعناية من أجل الصور ومقاطع الفيديو، ويزيد ذلك تكاليف الزواج التي تتأثر أيضاً بارتفاع أسعار الذهب، وتكاليف القاعات والديكور، ليواجه شبان كثيرون صعوبات متزايدة في اتخاذ قرار الزواج.
يقول أحمد قاسم (28 سنة): "تشكّل فكرة الزواج عقدة نفسية لي بسبب السطحية التي أراها لدى كثير من الفتيات اللواتي يتركّز اهتمامهن على المظاهر أكثر من الجوهر. أصبح الاهتمام ينصبّ على ما ستحصل عليه العروس من الزواج، وأصبحت التكاليف باهظة، من المصوغات، إلى جلسات التصوير. ترتبط متطلبات كثيرة بالرغبة في تقليد ما يُعرض على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يجعل مسألة اختيار شريكة الحياة أكثر صعوبة".
بدورها، تقول زهراء (27 سنة)، والتي تزوجت حديثاً: "لم يكن تحضير حفل الزفاف سهلاً بسبب المقارنات المستمرة التي فرضتها مواقع التواصل. كنت أشاهد مقاطع فيديو لأعراس ضخمة وديكورات باهظة وتصوير سينمائي. لم تكن هذه المصاريف ضرورية بالنسبة لي، لكن أهلي وصديقاتي اعتبروها أساسية، فقط لأن الجميع يفعل ذلك وينشره على الإنترنت، وهكذا أنفقنا جزءاً كبيراً من الميزانية على تنسيق جلسات التصوير والديكور والهدايا الخاصة بالمدعوات".
ويقول مصوّر الأعراس أحمد كريم: "تغيّرت طلبات العرائس خلال السنوات الأخيرة. يطلب معظم العرسان اليوم تصويراً يشبه ما يشاهدونه لدى مؤثرات منصة إنستغرام، سواء على صعيد الإخراج أو أماكن التصوير أو حتى طريقة عرض الفيديو، وتخصص عائلات ميزانيات كبيرة للتصوير، لأن الحفل سيُنشر على مواقع التواصل، ويرغب أصحابه في أن يكون مثالياً أمام الناس".
وشكل ارتفاع أسعار الذهب عالمياً عبئاً إضافياً على المقبلين على الزواج، خصوصاً أن المجتمع العراقي يعتبر الذهب قيمة اجتماعية ورمزية. ويقول محمد الخفاجي، وهو صاحب محل مجوهرات في بغداد،: "يشتري كثير من الشباب كميات أقل من الذهب مقارنة بالسابق، أو يتجهون إلى خيارات أخف وزناً بسبب الأسعار. أصبحت بعض العائلات تستأجر قطع ذهب أو إكسسوارات فاخرة من أجل التصوير فقط، لأن المهم أحياناً هو شكل الصور المنشورة وليس الاستخدام الحقيقي".
وتتحدث الحقوقية رواء هلال عن أن "خلافات بين الشريكين قبل عقد القران ترتبط بالأمور المادية، سواء تعلّقت بالذهب أو تفاصيل خاصة بحفل الزفاف ومتطلبات أخرى تضاعفت بتأثير مواقع التواصل الاجتماعي. وتصل حالات إلى فسخ الخطوبة بسبب تفاصيل لم تكن مطروحة سابقاً، وأوجدها السوشيال ميديا لدرجة تشويه صورة العلاقة الحقيقية بين الطرفين، إذ تحوّل الزواج لدى البعض من مشروع شراكة واستقرار إلى مساحة للاستعراض وإثبات المكانة الاجتماعية". تضيف: "تركز فتيات كثيرات على قدرة الشركاء على توفير مظاهر تلفت انتباه المجتمع وتحقق حضوراً لافتاً على مواقع التواصل الاجتماعي، أكثر من طبيعة العلاقة نفسها أو التفاهم بين الطرفين، وفعلياً رفعت المقارنات الخاصة بما تنشره المنصات الرقمية سقف التوقعات وأثقلت كاهل الشباب في العراق بتكاليف تفوق إمكاناتهم". وتشير إلى أن "الرجل يحاول بطبيعته إسعاد شريكة حياته ضمن قدراته المادية والمعنوية، لكن هوس بعض العائلات والفتيات بفكرة العرس المثالي وجلسات التصوير والاستعراض عبر مواقع التواصل يخلق ضغوطاً إضافية ويساهم في تعقيد خطوات الزواج".
من جهتها، ترى الباحثة الاجتماعية إسراء علي، في حديثها، أن "مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في خلق معايير وهمية للزواج الناجح تستند إلى المظاهر وحجم الإنفاق أكثر من الاستقرار الحقيقي، وجعلت مواقع التواصل الاجتماعي فتيات وشباناً كثيرين يقارنون أنفسهم بصورة مثالية وغير واقعية، ما خلق ضغوطاً نفسية ومادية على الطرفين. وبعض الشباب يؤجلون الزواج بسبب الخوف من التكاليف الباهظة وتوقعات العائلات، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة".
ويرى الشيخ إبراهيم القيسي، أن "مواقع التواصل الاجتماعي غيّرت سلوكيات وعقليات كثير من الشبان وليس المراهقين فقط، إذ تحوّل الزواج من وسيلة للستر وإكمال المسيرة الدينية وكونه أحد عوامل الاستقرار الأسري، إلى عبء اجتماعي بسبب التكاليف الباهظة التي فرضتها المظاهر المنتشرة عبر السوشيال ميديا". يضيف: "كانت المرأة في السابق أكثر قناعة وبساطة، وترضى بما هو موجود وتقتنع بما يحاول الرجل توفيره لإسعادها، وهو ما يتوافق مع تعاليم الشرع والدين، أما اليوم، فتدفع المقارنات والصور المثالية التي تروّجها مواقع التواصل عائلات كثيرة إلى المبالغة في متطلبات الزواج وتكاليفه".
المصدر: العربي الجديد



اضف تعليق