احتلت تداعيات اتفاق السلام المرتقب بين واشنطن وطهران على أسواق الطاقة صدارة اهتمام الإعلام الصيني، الذي رأى في احتمالات إعادة فتح مضيق هرمز فرصة لتخفيف الضغوط على إمدادات النفط وخفض حالة عدم اليقين التي رافقت حركة التجارة والطاقة في المنطقة خلال الأشهر الماضية.

وأفادت وكالة الأنباء الصينية "شينخوا" أن تأكيد الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى اتفاق، إلى جانب التوقعات بإعادة فتح مضيق هرمز قريبا، أدى إلى هبوط حاد في أسعار العقود الآجلة للنفط مع بداية أسبوع التداول الجديد.

وفي أول رد فعل مباشر للأسواق على خبر الاتفاق، انخفض سعر العقود الآجلة للنفط الخام الخفيف في بورصة نيويورك التجارية إلى أدنى مستوى له عند 80.25 دولارا للبرميل، بانخفاض قدره 5.45%؛ وانخفض سعر العقود الآجلة لخام برنت في بورصة لندن إلى 83.51 دولارا للبرميل، بانخفاض قدره 4.37%.

وتذكر شينخوا أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران منذ نهاية فبراير/شباط أدت إلى تعطيل الملاحة في المضيق وتقليص الإمدادات، ما أشعل موجة ارتفاع في أسعار النفط العالمية أثقلت كاهل الاقتصادات المستوردة للطاقة وفي مقدمتها الصين.

كما تقدم الوكالة الاتفاق بوصفه خطوة أولى نحو إعادة التوازن لسوق الطاقة العالمي، مع تركيزها على المكسب الجوهري لبكين والمتمثل في كسر حالة الاختناق التي أصابت خطوط إمدادها من الخام عبر منطقة الخليج.

ترسم صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست صورة أكثر حذرا، إذ تشير إلى أن مضيق هرمز بقي شبه خالٍ من حركة السفن خلال الساعات التالية لإعلان اتفاق السلام، رغم تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن الممر سيُعاد فتحه بعد توقيع الاتفاق رسميا الجمعة.

وتستند الصحيفة إلى بيانات منصة "مارين ترافيك" التي أظهرت أن سفينة دورية واحدة فقط كانت تتحرك في المضيق، بينما بقيت مئات السفن التجارية عالقة في المنطقة.

ونقلت الصحيفة عن المحللة في شركة "كيبلر" المتخصصة في معلومات تجارة النفط، شو مويو، قولها إن "الاتفاق يبدو هشا، وإن تفاصيل إعادة فتح الممر ما زالت غامضة، بما في ذلك تسلسل رفع الحصار الأمريكي عن إيران والإفراج عن أصولها المجمدة".

كما تنقل تشكيكها في عودة الملاحة إلى المسار الطبيعي سريعا، سواء بسبب مخاطر الألغام أو تحفظات مالكي السفن حيال المخاطر الأمنية.

وتستحضر الصحيفة تحذير وكالة الطاقة الدولية من أن إعادة فتح المضيق بشكل كامل قد تستغرق من 6 إلى 8 أشهر حتى لو تم التوصل إلى اتفاق، ما يعني أن أي استفادة صينية من انخفاض الأسعار قد تظل مقيّدة بزمن عدم اليقين في حركة الشحن.

صحيفة غلوبال تايمز القريبة من التوجه الرسمي الصيني، تضع الاتفاق المرتقب في إطار أوسع لصراع الإرادات بين واشنطن وطهران، مشيرة إلى أن الجانبين أرسلا إشارات متضاربة حول توقيت توقيع الاتفاق النهائي.

بينما تنقل عن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الوسيط في المفاوضات، قوله إن العالم "أقرب ما يكون إلى اتفاق سلام"، وإن توقيعا افتراضيا بالاتصال المرئي يجري التحضير له، من دون تحديد موعد قاطع.

في هذا الإطار يقول الأستاذ لي هايدونغ من جامعة الشؤون الخارجية الصينية للصحيفة إن "واشنطن وطهران تتقاسمان مصلحة مشتركة في إنهاء الحرب، لكن لدوافع مختلفة: فالولايات المتحدة تخشى كلفة حرب طويلة إستراتيجيا وداخليا، بينما تخشى إيران آثارا اقتصادية واجتماعية وأمنية متراكمة إذا استمر القتال".

في المقابل، يصر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وفق ما تنقله الصحيفة، على أن "بلاده خرجت من الحرب منتصرة، وأن الاتفاق المؤقت يمنحها الجزء الأكبر مما سعت إليه، مقابل مكسب أمريكي رئيسي واحد هو إعادة فتح المضيق".

وتضيف الصحيفة بُعدا إسرائيليا في هذه المعادلة، إذ تشير إلى أن الاتفاق المحتمل "أثار قلق" تل أبيب. ما يعني -بالنسبة للصين- أن هذه الهوامش الواسعة من التوتر تجعل أي رهان على استقرار دائم في هرمز يظل محفوفا بمخاطر التصعيد الإقليمي.

صحيفة تشاينا ديلي تبتعد عن تفاصيل الخلافات التكتيكية لتؤكد، نقلا عن إعلان ترمب، أن "الاتفاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية أُنجز" وأن التوقيع الرسمي سيتم يوم الجمعة في سويسرا.

وتتابع الصحيفة أن الإعلان عن "إزالة الألغام بعد توقيع الاتفاق ما سيجعل النفط يتدفق من الجانبين مجددا للمنطقة والعالم"، ينسجم مباشرة مع أولويات الصين في استعادة التدفق الآمن والمستقر للنفط عبر هرمز.

ورغم أن تفاصيل الاتفاق لم تُنشر بعد، تورد تشاينا ديلي تأكيد كاظم غريب آبادي -نائب وزير الخارجية الإيراني- انتهاء الحرب "بشكل فوري ودائم" على مختلف الجبهات، بما في ذلك لبنان، ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، في خطوة من شأنها إعادة ربط إيران بأسواق الطاقة العالمية.

ويلخّص المسؤول الأمريكي السابق توم واتكينز المزاج الدولي الحذر ويصرّح للصحيفة بأنه "إذا صدقت هذه الأنباء وتحققت فستكون خبرا جيدا للشعوب في المنطقة والعالم".

من خلال هذه القراءات، يبرز واضحا أن أمن الطاقة ممثلا بإمدادات النفط هو العدسة المركزية التي تُقيَّم عبرها اتفاقية واشنطن وطهران في الإعلام الصيني، سواء من زاوية هبوط الأسعار الفوري أو من ناحية الزمن المتوقع لعودة الملاحة بشكل طبيعي في مضيق هرمز.

وبينما يراهن صانع القرار في بكين على أن توقيع الاتفاق ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية سيسمحان باستئناف واردات النفط الإيرانية والخليجية بوتيرة مستقرة، فإن التقديرات الصينية لا تُغفل هشاشة الترتيبات الأمنية، وتذبذب المواقف الأمريكية والإيرانية، والاعتراض الإسرائيلي، كعوامل قد تجعل تأمين الإمدادات تحديا مستمرا حتى بعد توقيع مذكرة التفاهم.

في ضوء ذلك، تبدو الصين مستعدة للتعامل مع اتفاق يوفر فرصة لالتقاط الأنفاس في سوق الطاقة، لكنها تتعامل معه بوصفه محطة مؤقتة في معادلة أطول لأمن الطاقة، وليس نهاية مضمونة لصداع مضيق هرمز.


اضف تعليق