النبأ: لم تعد غرف الشباب العراقيين مجرد مساحات للنوم أو الدراسة، فخلف شاشات الـ (LED) المتوهجة وأصوات لوحات المفاتيح المتسارعة، تولد مهن جديدة وتُبنى إمبراطوريات رقمية، وفي بلد يشكل الشباب تحت سن 25 عاماً أكثر من 60% من سكانه، تحولت الألعاب الإلكترونية من مجرد "تسلية" إلى قطاع اقتصادي واعد، لكنه لا يخلو من تحديات ومخاوف مجتمعية وصحية عميقة.

تؤكد التقارير العالمية، ومنها بيانات منصة "Statista"، أن منطقة الشرق الأوسط هي الأسرع نمواً في قطاع الألعاب الإلكترونية، وفي العراق، ساعد تحسن البنية التحتية لخدمات الإنترنت وإطلاق سعات دولية جديدة في عام 2024، وفقاً لبيانات وزارة الاتصالات، في خلق بيئة مثالية للاحتراف. ولم يعد الطموح العراقي محصوراً في الفوز بـ "مباراة ودية"، بل أصبح الهدف هو انتزاع جوائز البطولات الكبرى.

رغم هذا البريق، يثير الانغماس الكامل في عالم الاحتراف الرقمي قلق الخبراء في العراق، وتتلخص أبرز السلبيات في:

1. يقضي اللاعب المحترف ما بين 8 إلى 12 ساعة يومياً أمام الشاشات. يحذر أطباء محليون من تفشي مشاكل العمود الفقري، ضعف النظر، واضطرابات النوم بين المراهقين العراقيين، بالإضافة إلى "العزلة الاجتماعية" التي قد تفصل الشاب عن واقعه المحيط.

2. تحتوي العديد من الألعاب العالمية تصنفها تقارير دولية (مثل تقرير مفوضية حماية المستهلك في الاتحاد الأوروبي) كنوع من القمار المقنع الذي يستهدف القاصرين، مما يثير مخاوف شرعية واجتماعية داخل المجتمع العراقي المحافظ.

3. الضغط لتحقيق نتائج والاحتفاظ برعاة يضع اللاعبين تحت ضغط نفسي هائل. في غياب مؤسسات الدعم النفسي الرياضي في العراق، يواجه الكثير من الشباب خطر الانهيار النفسي المبكر وترك الدراسة تماماً من أجل سراب الشهرة الرقمية.

4. تعاني مجتمعات الألعاب أحياناً من بيئات "سامة" تشمل التنمر الإلكتروني والخطاب العدائي، وهو ما يحتاج إلى رقابة أسرية وقوانين جرائم معلوماتية صارمة لم تُفعل بشكل كامل بعد في العراق.

تحديات تقنية وقانونية

تشير بيانات إلى، أن اللاعبين في العراق يواجهون تحدي زمن الاستجابة المرتفع مقارنة بدول الجوار، مما يضعهم في موقف غير عادل تقنياً. كما تبرز الحاجة الماسة إلى اعتراف رسمي من اللجنة الأولمبية العراقية ووزارة الشباب والرياضة لتوفير غطاء قانوني يحمي حقوق اللاعبين من "عقود الإذعان" التي قد تفرضها بعض الفرق غير الاحترافية.

وبدأت شركات الاتصالات الكبرى في العراق، تستثمر في تنظيم بطولات ضخمة، مما ساهم في تحسين صورة هذا القطاع. ومع ذلك، لا تزال الفجوة قائمة بين جيل الآباء الذين يرون فيها "مضيعة للوقت" وجيل الشباب الذي يراها "بوابة للمستقبل".

إن ثورة الرياضات الإلكترونية في العراق سلاح ذو حدين، فهي نافذة إبداعية واقتصادية لجيل يتوق لإثبات نفسه عالمياً، لكنها تتطلب وعياً مجتمعياً وحماية تشريعية وصحية لضمان ألا يتحول "الحلم الرقمي" إلى "عزلة واقعية". ومع استمرار انضمام العراق للمنظمات الدولية، يبقى الرهان على قدرة الدولة والمجتمع في توجيه هذا الشغف نحو الاحتراف الآمن والمسؤول.

اضف تعليق