أعلن فريق البحث العلمي لدى ملتقى النبأ للحوار عن إصدار ورقة سياسات استراتيجية بعنوان "تفكيك منظومة الفساد الهيكلي في العراق عبر الرقابة الاستباقية والمساءلة الرقمية الدولية"، في خطوة تهدف إلى دعم صناع القرار وتعزيز منظومة النزاهة الوطنية وبناء إطار مؤسسي أكثر شفافية واستدامة.
وتسعى هذه الورقة إلى إحداث تحول جذري في منهجية مكافحة الفساد في العراق من نهج الردع اللاحق إلى الرقابة الاستباقية المدعومة بالتكنولوجيا الحديثة والتعاون الدولي، حيث تؤكد أن الفساد لم يعد مجرد انحرافات فردية، بل تطور إلى فساد هيكلي متجذر في بنية الدولة، خصوصاً في ظل نظام المحاصصة الذي أسهم في هدر موارد مالية ضخمة تُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات.
وتوضح الورقة أن هذا النمط من الفساد ألحق أضراراً اقتصادية واجتماعية جسيمة، إذ تشير التقديرات إلى أن حجم الأموال المفقودة أو المهربة إلى الخارج يتراوح بين 320 و550 مليار دولار، فضلاً عن استنزاف ما بين 25% و30% من الموازنة العامة عبر العقود الوهمية والوظائف الفضائية، كما حذّرت من بروز ما يُعرف بالفساد البيئي الناتج عن التلاعب بالتراخيص الصناعية وإدارة الموارد المائية، الأمر الذي يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي في ظل التحديات المناخية.
وتشير الورقة إلى أن العراق حقق تقدماً نسبياً في مؤشر مدركات الفساد، إذ بلغ 28 درجة مطلع عام 2026، إلا أن هذا التحسن لا يزال دون المتوسط العالمي، مما يعكس استمرار فجوة الثقة بين جهود الإصلاح الحكومية والواقع العملي الذي يلمسه المواطن والمستثمر.
كما تقدم الورقة رؤية متكاملة لإصلاح منظومة النزاهة من خلال تبني الحوكمة الرقمية الرادعة، حيث تقترح إنشاء نظام إلكتروني متكامل لكشف الذمة المالية مرتبط بقواعد بيانات الدولة، وتفعيل قوانين "من أين لك هذا" كأداة ردع فورية، إلى جانب اعتماد تقنيات حديثة مثل البلوكشين والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لتعزيز الشفافية وقابلية تتبع الإنفاق العام ومنع التلاعب في العقود والمشتريات الحكومية.
وفي الجانب التشريعي والمؤسسي، تؤكد الورقة أهمية مواءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، مع الدعوة إلى تعزيز استقلالية هيئة النزاهة وتفعيل التعاون الدولي لاسترداد الأصول المنهوبة، الأمر الذي من شأنه دعم استقرار المالية العامة وتعزيز ثقة المجتمع الدولي بالاقتصاد العراقي.
وتخلص الورقة إلى أن تطبيق هذه الإصلاحات يمكن أن يسهم في رفع تصنيف العراق في مؤشر مدركات الفساد ليتجاوز حاجز الثلاثين درجة خلال عام 2026، بما يعزز ثقة المستثمرين ويعيد توجيه موارد الدولة نحو مسارات التنمية المستدامة، مؤكدة أن مكافحة الفساد الهيكلي تمثل معركة وجود تتطلب إرادة سياسية حازمة لتفكيك امتيازات المحاصصة وبناء دولة المؤسسات القائمة على سيادة القانون والشفافية والمساءلة.
ويؤكد فريق البحث العلمي في ملتقى النبأ للحوار أن هذا الإصدار يأتي في إطار التزام الملتقى بدعم الإصلاح المؤسسي وتعزيز الحوكمة الرشيدة في العراق، والمساهمة في صياغة سياسات عامة تستجيب لتطلعات المجتمع نحو دولة عادلة ومستقرة.



اضف تعليق