بغداد/ البصرة – شباط 2026

النبأ: في أطراف مدينة البصرة، حيث تتزاحم بيوت "التجاوز" المبنية من البلوك المتهالك، يجلس "أبو جاسم" (54 عاماً) أمام باب غرفته الضيقة، يراقب شاحنات النفط تمر من بعيد. قبل عامين فقط، كان هذا الرجل يمتلك مملكة خضراء في أهوار الجبايش، وكان صوته يتردد بين القصب وهو ينادي جواميسه. اليوم، تحول هذا "الملك" إلى عامل مياومة في مواقع البناء، يبحث عن أجر يومي لا يتعدى 15 ألف دينار عراقي.

قصة أبو جاسم ليست حالة فردية، إنها فصل من فصول "النزوح المناخي"، الظاهرة التي باتت تمزق النسيج الاجتماعي العراقي وتفرغ الريف من سكانه لصالح عشوائيات المدن الكبرى.

 

أرقام تتحدث

وفقاً لتقارير حديثة صادرة عن منظمة الهجرة الدولية (IOM) والمجلس النرويجي للاجئين (NRC)، فإن العراق يشهد هجرة هي الأسرع وتيرة منذ عقود بسبب العوامل البيئية، فقد سُجل نزوح أكثر من 130,000 فرد من مناطق الجنوب والفرات الأوسط منذ مطلع عام 2024 وحتى بداية 2026.

أما الوجهة فان 70% من النازحين استقروا في مراكز المحافظات (البصرة، ذي قار، والنجف)، بينما اتجهت البقية نحو العاصمة بغداد.

ولا شك أن السبب الرئيسي يكمن جفاف الأنهر بنسبة وصلت إلى 75% في القنوات الفرعية، وتملح التربة الذي جعل الزراعة "مهمة انتحارية".

 

الانتحار الاقتصادي

لا يقتصر خطر النزوح على فقدان الأرض، بل يمتد لضرب الأمن الغذائي العراقيوتتحدث بيانات عن تحولاً خطيراً، فان الفلاح الذي كان يزود الأسواق بالخضروات والألبان والأسماك، أصبح اليوم يقف في طوابير المساعدات أو يبحث عن عمل في قطاع الخدمات غير المنظم. هذا يعني زيادة في الاستيراد وارتفاعاً في أسعار السلع الأساسية".

وتشير البيانات إلى أن مساحات الأراضي الصالحة للزراعة في العراق تقلصت بنسبة 40% عما كانت عليه قبل خمس سنوات، مما دفع آلاف العائلات إلى بيع ما تبقى من مواشيها بأسعار زهيدة لتمويل رحلة النزوح.

 

أحزمة البؤس التي تحيط بالمدن

في منطقة "الحسينية" شمال بغداد، أو "القبلة" في البصرة، تظهر ملامح أزمة السكن بوضوح. عائلات نزحت من الريف تعيش في غرف تفتقر للصرف الصحي أو مياه الشرب النقية.

ويحذر مراقبون من أن هذه العشوائيات قد تصبح "بيئة خصبة للتوترات الاجتماعية"، حيث يشعر النازحون بالتهميش وضياع الهوية.

وزادت الكثافة السكانية في هذه المناطق بنسبة 25%، مما أدى لتهالك شبكة الكهرباء والمياه التي لم تكن مصممة لاستيعاب هذا الانفجار السكاني.

 

هل يختفي الريف العراقي؟

تتوقع تقارير دولية (بناءً على نماذج مناخية) أنه بحلول عام 2030، إذا استمر غياب الاتفاقيات المائية مع دول الجوار (تركيا وإيران) واستمرت درجات الحرارة في الارتفاع، فإن العراق قد يفقد ثلث سكانه الريفيين.

النزوح المناخي ليس مجرد انتقال جغرافي، إنه "تمزق ثقافي" يهدد باندثار مهن وتراث حضاري عمره آلاف السنين، من صيد الأسماك في الأهوار إلى زراعة العنبر في المشخاب.

بينما تنشغل الصالونات السياسية في بغداد بملفات الانتخابات والموازنات، يواصل التصحر زحفه الصامت. "أبو جاسم" والآلاف غيره لا ينتظرون وعوداً، بل ينتظرون "قطرة ماء" تعيدهم إلى ديارهم، أو على الأقل، اعترافاً دولياً ومحلياً بأنهم "لاجئون في وطنهم" بسبب مناخ لم يعد يرحم.


اضف تعليق