في الثقافة الشعبية يرتبط تناول الطعام عادة بالحصول على الطاقة والنشاط، لكن المفارقة أن ما يحدث بعد الإفطار في شهر رمضان يبدو مختلفا تماما، إذ يشعر كثيرون بالخمول والنعاس بدلا من الحيوية، فما الذي يحدث داخل الجسم ويقود إلى هذه الحالة.
لفهم ما يجري بعد الإفطار الرمضاني، يرى أستاذ الفيزياء الحيوية بجامعة جنيف الدكتور هيثم شعبان، أنه "من المفيد بداية القصة من فصولها الأولى، بشرح ما يحدث في الأيام العادية".
ويقول الباحث إنه "عندما نأكل، لا نحصل على الطاقة بشكل فوري، لأن الجسم ليس سيارة نضع فيها الوقود فتنطلق مباشرة، كما يعتقد البعض، ففي الواقع، يعتمد الجسم في حركته ونشاطه اليومي على مخازن الطاقة الداخلية، وأهمها الغلوكوز الموجود في الدم والكبد، والدهون المخزنة في الجسم".
وهذه المخازن لا تُعاد تعبئتها في الدقائق القليلة التي نستغرقها في تناول الوجبة، لذلك، قد تأكل الآن، لكن الطاقة التي مكنتك من الحركة أو التفكير بعد خمس دقائق ليست ناتجة عن هذه الوجبة، بل عن طاقة كانت مخزنة مسبقا، كما يوضح هيثم.
ماذا يتغير في الصيام؟
وينتقل الدكتور هيثم من هذه المقدمة، إلى ما يحدث في الصيام، إذ يعتمد الجسم لساعات طويلة اعتمادا شبه كامل على طاقته الداخلية، فالغلوكوز المخزن في الكبد والدم يوفر الطاقة السريعة، والدهون المخزنة تمثل مصدر الطاقة الأبطأ والأطول أمدا.
وتأتي اللحظة الحاسمة، عند الإفطار، إذ يدخل إلى الجسم دفعة كبيرة ومفاجئة من الطاقة بعد فترة من الاعتماد على المخزون فقط.
ويقول: "من منظور فيزيائي، يمكن النظر إلى الجسم باعتباره نظاما شبه مغلق يمتلك قدرا محدودا من الطاقة في كل لحظة، وعندما يزداد استهلاك الطاقة في جزء معين، لا بد أن ينخفض الأداء مؤقتا في أجزاء أخرى".
ويضيف أنه "بعد تناول الطعام، يزداد تدفق الدم، وهو وسيط نقل الطاقة والأكسجين، إلى المعدة والأمعاء بشكل ملحوظ، وقد يصل هذا الارتفاع إلى نحو 30-40%، ويعني ذلك أن الدم الواصل إلى الدماغ يقل نسبيا، والأكسجين المتاح للعضلات ينخفض مؤقتا، والنتيجة الطبيعية لذلك هي الشعور بالنعاس، وثقل الرأس، وبطء التفكير، وانخفاض الرغبة في الحركة".
مرحلة إعادة التوازن
ولا تستمر هذه الحالة، كما يوضح هيثم، فبعد مرور بعض الوقت، يبدأ الجسم في إعادة تنظيم طاقته، فيتم تخزين جزء من الطاقة على هيئة غليكوجين ودهون، ويُستخدم جزء آخر مباشرة في الحركة والوظائف الذهنية، بينما يتحول جزء منها إلى حرارة.
ويشبه هذه المرحلة بجهاز إلكتروني يُعاد شحنه، ففي اللحظات الأولى من الشحن لا يعمل بكامل كفاءته، لأن الطاقة تُوزع أولا على العمليات الأساسية قبل أن يعود الأداء إلى طبيعته.
وتدعم العديد من الدراسات ما ذهب إليه هيثم، منها دراسة اعتمدت على قياسات دقيقة لنشاط الدماغ أثناء النوم، أجراها باحثون من معهد توماس لين لأبحاث الرعاية الصحية، ونشرتها دورية الفسيولوجيا والسلوك، حيث كشفت أن الشعور بالنعاس بعد تناول الطعام ليس مجرد إحساس ذاتي، بل ظاهرة فسيولوجية يمكن رصدها علميا.
وأظهرت الدراسة أن تناول وجبة صلبة يؤدي إلى تسريع الدخول في النوم مقارنة بتناول كمية مماثلة من الماء، بغض النظر عن نوع الطعام أو مكوناته من دهون أو كربوهيدرات.
وقال الباحثون إن السبب يعود إلى الجهد الذي يبذله الجسم في عملية الهضم، حيث يُعاد توجيه تدفق الدم والطاقة إلى الجهاز الهضمي، ما يقلل مؤقتا من اليقظة الذهنية ويُفسر حالة الخمول التي يشعر بها كثيرون بعد الأكل، خصوصا عقب وجبات الإفطار الثقيلة.
وانطلاقا مما سبق، فإن الخمول بعد الإفطار الرمضاني ليس كسلا ولا ضعفا، بل نتيجة طبيعية لإعادة توزيع الطاقة داخل الجسم بعد فترة طويلة من الصيام، وفق قوانين فيزيائية وفسيولوجية دقيقة.
ولتقليل هذا الأثر، ينصح د. هيثم بتقسيم الوجبة إلى مراحل، والاعتماد على البروتينات والألياف، مع تجنب السكريات مباشرة بعد الأكل، إضافة إلى ممارسة حركة خفيفة مثل المشي لبضع دقائق، فهذه التعديلات البسيطة تساعد الجسم على توزيع الطاقة بشكل متوازن، وتحافظ على اليقظة الذهنية بعد الإفطار الرمضاني.



اضف تعليق