في مداخلة ضمن حوارات ملتقى النبأ للحوار، يرى الكاتب سردار الهركي أن تاريخ الشرق الأوسط المعاصر يكشف حقيقة مؤلمة، مفادها أن أكبر الأخطار التي تهدد شعوب المنطقة لا تأتي دائماً من الخارج، بل كثيراً ما تنبع من داخل أنظمتها السياسية عندما تتحول الدولة إلى أداة لخدمة الأيديولوجيا بدلاً من أن تكون إطاراً لحماية الإنسان وتنمية المجتمع. ويضيف أن السياسات عندما تُدار بمنطق العقيدة المغلقة أو الطموحات التوسعية، فإن مصير الشعوب وثرواتها وحتى تاريخها يصبح رهينة لقرارات قد تُتخذ في لحظة اندفاع أو حسابات خاطئة.

ويشير الهركي إلى أن الحرب الإيرانية–العراقية تُعد من أبرز الأمثلة على هذا النمط المأساوي من الصراعات، إذ اندلعت بين دولتين كبيرتين كان يُفترض أن تشكلا ركناً أساسياً في استقرار المنطقة. غير أن الصراع بين أيديولوجيتين متصلبتين – قومية متشددة من جهة، ودينية طائفية من جهة أخرى – حوّل المنطقة إلى ساحة حرب طويلة استمرت ثماني سنوات. ويوضح أن أحد الطرفين اندفع نحو الحرب بدوافع الهيمنة والصراع على الزعامة الإقليمية، بينما تعامل الطرف الآخر مع استمرارها بوصفه جزءاً من معركة عقائدية يصعب التراجع عنها.

ويؤكد أن تلك الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل كانت استنزافاً هائلاً لقدرات بلدين يمتلكان إمكانات بشرية واقتصادية وحضارية كبيرة. فقد خلّفت ملايين الضحايا، ومئات المليارات من الدولارات من الخسائر، إضافة إلى دمار واسع في البنى التحتية ومجتمعات خرجت من الحرب مثقلة بالجراح والانقسامات، وما تزال آثارها تلقي بظلالها على سياسات المنطقة حتى اليوم.

ويلفت الهركي إلى مفارقة تاريخية مهمة، وهي أن العراق وإيران ليسا دولتين هامشيتين في التاريخ الإنساني، بل يمثلان من أقدم مراكز الحضارة في العالم. فمن أرض الرافدين خرجت أولى المدن والشرائع والكتابات، فيما شهدت الهضبة الإيرانية قيام إمبراطوريات وحضارات تركت بصماتها في التاريخ السياسي والثقافي للبشرية. وكان يمكن لهذا الإرث الحضاري أن يشكّل أساساً لتكامل إقليمي كبير، إلا أن الصراعات الأيديولوجية حوّلته مراراً إلى ضحية للحروب.

ويضيف أن النتائج المؤلمة لهذه الصراعات لا تقتصر على الخسائر البشرية والاقتصادية، بل تمتد أيضاً إلى تدمير التراث الحضاري الذي يشكّل جزءاً من ذاكرة البشرية. ويذكر أنه شاهد مؤخراً تقريراً تلفزيونياً عن تدمير مواقع أثرية في إيران نتيجة القصف، تعود إلى آلاف السنين، وتمثل حضارات فارسية وساسانية كانت جزءاً من التاريخ الإنساني. ويؤكد أن هذه المواقع ليست مجرد آثار حجرية، بل سجل حي لمسيرة الحضارة.

ويتابع قائلاً إن تلك المشاهد تعيد إلى الأذهان ما حدث في العراق أيضاً، عندما تعرضت مواقع أثرية لا تقدّر بثمن للنهب أو التدمير خلال الحروب والاضطرابات، وكأن الحروب في هذه المنطقة لا تكتفي بقتل الإنسان في الحاضر، بل تمتد أيضاً لقتل ذاكرة الماضي.

ويشير الهركي إلى أن المشكلة الأخطر تكمن في أن صانعي القرار غالباً ما لا يدفعون الثمن الحقيقي لمغامراتهم السياسية، بينما تتحمل الشعوب الكلفة الكبرى، ويدفع التاريخ نفسه جزءاً من الفاتورة. ولذلك فإن أي مشروع جاد لإعادة بناء الاستقرار في الشرق الأوسط، بحسب رأيه، يجب أن يبدأ بإعادة تعريف دور الدولة لتكون دولة تحمي الإنسان وتراثه، لا دولة تعبّئ المجتمع في صراعات أيديولوجية لا نهاية لها.

ويختتم حديثه بالتأكيد على أهمية التفكير في نماذج جديدة للتعاون الإقليمي تقوم على المصالح المشتركة والتنمية الاقتصادية والتكامل الحضاري، بدلاً من الصراعات الأيديولوجية التي أثبتت التجربة أنها لا تنتج سوى الحروب. فالدول التي تمتلك هذا العمق التاريخي والحضاري، كما يقول، كان ينبغي أن تقود مشاريع للتكامل والتنمية، لا أن تتحول إلى ساحات صراع تستنزف طاقاتها وتدمّر إرثها.


ويرى الهركي أن الدرس الأهم من تجارب المنطقة هو أن الأيديولوجيا عندما تتحول إلى أداة لإدارة الدولة تصبح خطراً على الشعوب، بينما يمكن للعقلانية السياسية والتعاون الإقليمي أن يفتحا الطريق أمام مستقبل مختلف تُصان فيه حياة الإنسان، وتُحمى فيه ذاكرة الحضارة، وتُستثمر فيه ثروات المنطقة في البناء بدلاً من الهدم. فالشعوب التي أنجبت أقدم الحضارات في التاريخ، كما يختتم حديثه، لا تستحق أن يبقى حاضرها ومستقبلها رهينة لمغامرات سياسية عابرة، بل تستحق نظاماً إقليمياً جديداً يقوم على التعاون والاستقرار ويحفظ الإنسان والتاريخ معاً.

ع ع

اضف تعليق