كشفت دراسة علمية حديثة عن ترابط وثيق بين الطفرات الجينية العشوائية والتغيرات فوق الجينية التي يعتمد عليها العلماء لقياس ما يُعرف بـ"العمر البيولوجي"، في اكتشاف قد يُعيد تشكيل الفهم العلمي لآلية الشيخوخة وكيفية تقدم الإنسان في العمر.

وبحسب نتائج الدراسة المنشورة في Nature Aging ونقلها موقع Live Science، فإن ما يُعرف بـ"الساعات الجينية"، التي يستخدمها العلماء لتقدير العمر البيولوجي للأنسجة، لا تعمل بمعزل عن الطفرات الجينية، بل يبدو أنها ترتبط بها بشكل مباشر ومتزامن مع مرور الوقت.

وتتعرض خلايا الجسم بطبيعتها إلى طفرات جينية خلال حياتها نتيجة الانقسام الخلوي أو التعرض لعوامل بيئية مثل الإشعاع والعدوى، ومع التقدم في العمر تتراجع قدرة الجسم على إصلاح الحمض النووي، ما يؤدي إلى تراكم هذه الطفرات وزيادة خطر الإصابة بأمراض خطيرة، بينها السرطان والاضطرابات العصبية وأمراض المناعة.

في الوقت ذاته، تحدث تغيرات تُعرف بـ"التعديلات فوق الجينية"، وهي تغييرات لا تمس الشفرة الوراثية نفسها، بل تتحكم في نشاط الجينات وتشغيلها أو إيقافها. وقد اعتمد العلماء على هذه التغيرات لتطوير أدوات تقيس العمر البيولوجي بدقة، غير أن العلاقة بينها وبين الطفرات لم تكن واضحة حتى الآن.

واعتمد الباحثون في دراستهم على تحليل بيانات أكثر من 9 آلاف مريض، حيث قارنوا بين أنماط الطفرات الجينية ومستويات "ميثلة الحمض النووي"، وهي عملية كيميائية تؤثر على نشاط الجينات. وأظهرت النتائج أن مواقع الحمض النووي التي تعرضت لطفرات كانت أقل قدرة على الاحتفاظ بهذه العلامات الكيميائية، فيما امتدت تأثيرات الطفرات إلى مناطق واسعة مجاورة، ما يشير إلى وجود تأثير متسلسل ومعقد داخل المادة الوراثية.

كما طوّر الفريق العلمي نموذجين منفصلين لقياس العمر البيولوجي، أحدهما يعتمد على الطفرات الجينية والآخر على التغيرات فوق الجينية، ليتبين أن كلا النموذجين قدّم تقديرات متقاربة للغاية، في دليل إضافي على أن العمليتين تعملان بتناغم ضمن منظومة بيولوجية واحدة.

ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام فهم أعمق للشيخوخة، وقد يسهم مستقبلاً في تطوير استراتيجيات طبية تستهدف إبطاء التقدم في العمر أو الحد من الأمراض المرتبطة به. غير أن السؤال الأهم لا يزال قائماً: هل الطفرات الجينية هي المحرك الأساسي للشيخوخة، أم أن التغيرات فوق الجينية تمثل جزءاً من منظومة أكبر وأكثر تعقيداً؟

ويمثل هذا التقدم العلمي خطوة محورية نحو كشف أحد أعقد أسرار البيولوجيا البشرية، وقد يمهد الطريق لعصر جديد من الطب الوقائي والعلاجات الموجهة التي تستهدف جذور الشيخوخة داخل الخلايا نفسها.

م.ال

اضف تعليق