النبأ.. تسعى شركة تسويق النفط العراقية الحكومية (سومو)، التابعة للعراق ثاني أكبر منتج في أوبك، بهدوء إلى إعادة صياغة دورها في أسواق النفط العالمية، متجاوزةً وظيفتها التقليدية كبائع للخام نحو نهج أكثر استراتيجية يتمحور حول الخدمات اللوجستية، والمرونة، والوصول إلى الأسواق.

وتقدّم تصريحات المدير العام لسومو علي نزار الشطري في مقابلة حديثة رؤية مفصّلة لكيفية إعادة بغداد تقييم مسارات التصدير وأولويات البنية التحتية، وربما بما ينعكس أيضاً على موقعها داخل تحالف أوبك+ خلال السنوات المقبلة.

وعلى مستوى العناوين العريضة، ما تزال رواية النفط العراقي تدور حول الاحتياطيات الضخمة، والبنية التحتية المقيّدة، والتوترات المستمرة بين السلطات الاتحادية وإقليم كردستان. لكن تحت هذا السطح، تشير تعليقات الشطري إلى تحوّل استراتيجي يركّز على التحكم بكيفية وصول النفط العراقي إلى الأسواق العالمية، وأين، وتحت أي شروط.

تقدّر سومو أن العراق صدّر نحو 1.15 مليار برميل من الخام العام الماضي، محققاً إيرادات تقارب 84 مليار دولار. ويقارن ذلك بصادرات تجاوزت قليلاً 1.2 مليار برميل سنوياً في عامي 2023 و2024، حين دفعت أسعار النفط الأعلى الإيرادات السنوية إلى نحو 95–100 مليار دولار.

وبلغ متوسط الصادرات من موانئ العراق الجنوبية قرابة 3.35–3.4 مليون برميل يومياً العام الماضي، إلى جانب نحو 200 ألف برميل يومياً من التدفقات الشمالية عبر خط أنابيب العراق–تركيا عقب استئنافه الجزئي في أكتوبر.

وتؤكد سومو صراحة أن هذه الكميات لا تعكس القدرة الحقيقية للإنتاج أو التسويق في العراق. وقال الشطري: "نستطيع تسويق أي كمية تُتاح للتصدير"، مجادلاً بأن قدرة الشركة على إنتاج خام قابل للتصدير تفوق بكثير التدفقات الحالية. وأوضح أن القيد الملزم يكمن في خطوط الأنابيب، والتخزين، وبنية التصدير، لا في الطلب أو القدرة على البيع.

وبهذا الإطار، ستجادل بغداد بوجود طاقة احتياطية، حتى إن لم تكن قابلة للتشغيل الفوري. ويأتي ذلك على خلفية سعي العراق - سراً وعلناً - إلى رفع خط الأساس الإنتاجي ضمن تحالف أوبك+. ويكتسب التوقيت أهمية خاصة، إذ يجري أوبك+ هذا العام تقييم الطاقة الإنتاجية المستدامة القصوى، تمهيداً لإعادة معايرة الحصص بحلول أواخر 2026. غير أنه ما لم تُعالج الاختناقات اللوجستية فعلياً، فستحدّ أيضاً من قدرة العراق على المطالبة بخط أساس إنتاجي أعلى في إطار هذا التقييم.

منطق الإيرادات

بالنسبة للعراق، لا يقتصر الجدل على الاعتراف بالطاقة. فإيرادات النفط محور أساسي لمالية الدولة والاستقرار السياسي، إذ تموّل جهازاً وظيفياً عاماً واسعاً ودولة تعتمد بشدة على الرواتب والتحويلات للموظفين العموميين. وتدفع بغداد بأن نمو الإمدادات الكامن هيكلي، ومسنود بقدرات المنبع، لكنه مقيّد بالبنية التحتية لا بخيارات السياسة.

ومع ذلك، فإن تأكيد سومو على قدرة تسويقية شبه غير محدودة يستدعي الحذر. فالخام العراقي يظل تنافسياً بنيوياً، لكن نمو الطلب العالمي على النفط بدأ يتباطأ العام الماضي، ومن المتوقع أن يعتدل أكثر في 2026.

وفي آسيا والمحيط الهادئ، يتأثر تشغيل المصافي على نحو متزايد بالهوامش ودورات الصيانة وأوضاع أسواق المنتجات، ما يحد من قدرة المنطقة على استيعاب إمدادات خام إضافية بصورة مستدامة. وقد تعززت شهية أوروبا للخام العراقي الثقيل عقب فقدان الإمدادات الروسية، لكنها بدورها محدودة.

ولا تزال توافر الشحن، والتغطية التأمينية، والامتثال للعقوبات، وتوافق الخام مع المصافي، تفرض قيوداً عملية على قدرة السوق على استيعاب إنتاج عراقي إضافي. وتؤثر هذه العوامل في أي المشترين يمكنهم استلام مزيد من الخام وبأي كلفة. وفي هذا السياق، تعكس ثقة سومو حساباً مفاده أن تحسين الخدمات اللوجستية ومرونة المسارات سيحددان القدرة التصديرية الفعلية للعراق، أكثر مما تعكس افتراض طلب غير محدود.

ولا يتجلى ذلك في مكان أكثر من تركيز سومو المتجدد على ميناء جيهان التركي. فخطّا أنابيب العراق–تركيا يمتلكان قدرة اسمية مجمعة تبلغ نحو 1.4 مليون برميل يومياً، بحسب الشطري، إلا أن جزءاً يسيراً منها يُستغل حالياً. وتقول سومو إن المفاوضات مع أنقرة بشأن اتفاق إطار مُعدّل تتقدم بصورة إيجابية، مع تبادل مسودات نصوص وسعي الطرفين إلى التوصل لاتفاق لاحقاً هذا العام.

وترى سومو في جيهان منفذاً استراتيجياً للخام العراقي إلى أوروبا والأميركيتين، بما يقلل الاعتماد على البنية التحتية الجنوبية الموجّهة أساساً نحو المشترين الآسيويين. ولا تزال التحديات التشغيلية على هذا المسار قائمة عقب خلاف بين بغداد وأنقرة أدى إلى إغلاق الخط من مارس 2023 حتى سبتمبر 2025، غير أن جميع الأطراف المعنية، بما فيها تركيا، تشترك في مصلحة إبقاء الصادرات متدفقة. وستعتمد متانة الترتيب على الاستمرارية السياسية في بغداد، وتعاون حكومة إقليم كردستان وأنقرة، وبيئة جيوسياسية محلية عُرضة لتحولات مفاجئة.

وبالنسبة لأوبك، يحمل الاتفاق دلالة أوسع. فبوضع الصادرات الشمالية تحت مُسوّق اتحادي واحد، تتضح كميات صادرات العراق وتقلّ حالة عدم اليقين بشأن امتثاله لأوبك وهي مسألة لطالما شكّلت مصدر احتكاك داخل المجموعة.

وعرض الشطري خطط الشركة الأطول أجلاً لتوجيه خام البصرة شمالاً وفصل التخزين في جيهان للتعامل مع درجات متعددة، بما يزيد مرونة توزيع الإمدادات. وتعكس مساعي تنويع مسارات التصدير منطقاً تجارياً، فضلاً عن خبرة حديثة؛ فخلال الصراع الإسرائيلي–الإيراني الذي استمر 12 يوماً في يونيو الماضي، واجه العراق مخاطر تعطّل عند مضيق هرمز، ما أبرز هشاشة الاعتماد على منفذ جنوبي واحد.

في المقابل، قدّم الشطري تقييماً صريحاً لمشروع خط أنابيب البصرة–العقبة المخطط منذ زمن طويل لنقل الخام من العراق إلى ميناء العقبة الأردني. وأقرّ الشطري بقيمة المشروع السياسية وقدرته على الاستجابة للأزمات، لكنه شكّك في جدواه الاقتصادية، مشيراً إلى أن الصادرات من العقبة ستتطلب المرور عبر قناة السويس أو منظومة سوميد المصرية للوصول إلى أوروبا، مع تقديم مزايا محدودة لمشتري آسيا والمحيط الهادئ. وأضاف أن المخاطر الأمنية في البحر الأحمر تُضعف جاذبية المشروع أكثر. وتمثل هذه التصريحات خروجاً واضحاً عن الدعم الرسمي السابق الذي قدّمه رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي للمسار.

أما العنصر الأكثر استشرافاً للمستقبل في استراتيجية سومو فيكمن في التخزين البحري. فقد وقّع العراق اتفاقات أولية مع عُمان لتطوير تخزين للخام في الدقم، مع إمكانية التوسع إلى رأس مركز وميناء الفحل. وتستطيع هذه الموانئ العُمانية استقبال ناقلات الخام العملاقة والعملاقة جداً، موفرة حجماً ومرونة غير متاحين في الموانئ الجنوبية للعراق.

فكّر بالمضيق

من شأن التخزين خارج الخليج العربي أن يقلّل التعرّض لاضطرابات الطقس والمخاطر الجيوسياسية حول مضيق هرمز، مع وضع الخام أقرب إلى مشترين في آسيا والمحيط الهادئ. وأكّد الشطري أن سومو تجري محادثات مع إكسون موبيل بشأن خيارات التخزين والتداول في آسيا والمحيط الهادئ، بما في ذلك سنغافورة والصين والهند، مثل استئجار الخزانات، وتقاسم الأرباح، وإمكانية الملكية المشتركة. وتشير هذه الخطوات إلى تحوّل تدريجي نحو سيطرة أكبر على التوقيت والمسار والوجهة.

لكن، رغم جهود التنويع، تظل آسيا والمحيط الهادئ الوجهة الرئيسية ومصدر الإيرادات الأهم للعراق. ففي حين أن معظم العقود سنوية، يرتبط بعض المشترين الآسيويين بعلاقات توريد تمتد 10–15 عاماً. والتسعير موحّد، مع منح الأولوية عبر الكميات وجداول التحميل لا عبر الخصومات. وهذا يعني أن حصة كبيرة من الخام العراقي ملتزم بها، ما يحد من المرونة قصيرة الأجل.

وبمجملها، تفسّر هذه العناصر كيف قد يتعامل العراق مع سياسته النفطية وسياسات أوبك+ في السنوات المقبلة. فمن خلال التشديد على القيود اللوجستية، تستطيع بغداد القول بامتلاكها طاقة إنتاج احتياطية من دون زيادة صادرات الخام، بينما يعزز توسيع المسارات والتخزين القدرة على الصمود. وسيعتمد ما إذا كانت هذه المرونة ستظل كامنة أم ستصبح مؤثرة في السوق على العراق.

المصدر: شركة أرغوس ميديا وهي المزود المستقل الرائد لمعلومات السوق في أسواق الطاقة والسلع العالمية.

ترجمة وكالة النبأ


اضف تعليق