حذّرت فريدريش ميرتس، خلال افتتاح أعمال مؤتمر ميونخ للأمن، من أن النظام العالمي القائم على القواعد لم يعد قائماً بالشكل الذي عرفه العالم منذ نهاية الحرب الباردة، في مؤشر واضح على عمق التحولات الجيوسياسية التي تشهدها الساحة الدولية وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى.
وقال ميرتس في كلمة أمام قادة ومسؤولين من نحو 50 دولة إن “حريتنا لم تعد مضمونة”، مؤكداً أن أوروبا تواجه مرحلة غير مسبوقة تتطلب استعداداً لتقديم “تضحيات” دفاعاً عن أمنها واستقلال قرارها. وأقرّ بوجود “انقسام عميق” في العلاقات عبر الأطلسي، في إشارة إلى التوتر المتزايد بين أوروبا والولايات المتحدة على خلفية ملفات استراتيجية واقتصادية وأمنية.
ويأتي هذا التصعيد في الخطاب الأوروبي في ظل سياسات تبنّتها إدارة دونالد ترامب، شملت فرض رسوم جمركية على واردات أوروبية والتلويح بضم جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، وهي خطوات أثارت قلقاً واسعاً داخل العواصم الأوروبية بشأن مستقبل التحالفات التقليدية، وعلى رأسها الشراكة ضمن حلف شمال الأطلسي.
أوروبا تبحث عن استقلال استراتيجي
في السياق ذاته، كشف المستشار الألماني عن محادثات جارية مع إيمانويل ماكرون بشأن إنشاء قوة ردع نووية أوروبية مشتركة، في خطوة تعكس توجهاً متزايداً داخل القارة لتعزيز قدراتها الدفاعية بعيداً عن الاعتماد الكامل على المظلة النووية الأميركية.
من جانبه، شدد ماكرون على ضرورة أن تتحول أوروبا إلى “قوة جيوسياسية فاعلة”، مؤكداً أن الحرب في أوكرانيا تمثل تحدياً وجودياً للقارة، وأن تسريع برامج إعادة التسلح وتعزيز القدرات الدفاعية المشتركة بات أمراً ضرورياً في ظل البيئة الأمنية المتغيرة.
ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تعكس تحوّلاً استراتيجياً داخل الاتحاد الأوروبي نحو تعزيز الاستقلال الدفاعي، خصوصاً مع تزايد الشكوك حول التزام واشنطن طويل الأمد بأمن القارة.
الصين تنفي مسؤوليتها وتدعو إلى التعاون
في المقابل، سعت الصين إلى احتواء المخاوف الأوروبية بشأن دورها في النظام العالمي، حيث أكد وزير خارجيتها وانغ يي أن بلاده ليست مسؤولة عن التحديات التي تواجه أوروبا، مشدداً على أن بكين تعتبر الاتحاد الأوروبي “شريكاً وليس خصماً”.
وقال وانغ إن “تطور الصين يمثل فرصة لأوروبا وليس تهديداً”، داعياً إلى اتباع سياسة “عقلانية وبراغماتية” في العلاقات الثنائية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بما يخدم مصالح الطرفين.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تقييم علاقاته الاقتصادية مع الصين، وسط مخاوف من اتساع العجز التجاري الأوروبي، وتزايد النفوذ الاقتصادي الصيني، إلى جانب التقارب بين بكين وموسكو في ظل الحرب الأوكرانية.
نظام عالمي في طور إعادة التشكل
تعكس التحذيرات الألمانية والمواقف الصينية المتباينة حجم التحولات الجارية في النظام الدولي، حيث تتراجع قواعد النظام التقليدي القائم على التحالفات الغربية، مقابل صعود توازنات جديدة قائمة على التنافس متعدد الأقطاب.
ويرى محللون أن أوروبا تجد نفسها اليوم أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في الحفاظ على تحالفها التاريخي مع الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته تعزيز استقلالها الاستراتيجي، في ظل بيئة دولية أكثر تعقيداً وأقل استقراراً، ما ينذر بمرحلة إعادة تشكيل شاملة للنظام العالمي.
م.ال



اضف تعليق